• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    You are currently browsing the Tajaddod Youth – شباب التجّدد weblog archives for March, 2011.

    Bye Bye Emergency Law, Welcome Anti-Terrorism Law


    Syrian cartoonist Ali Ferzat warns of what new “anti-terrorism” laws, designed to replace old “emergency laws”, are going to look like. Does anybody expect anything different?


    خطاب ضد المؤامرة


    من المستغرب أن يكون الكثيرون الذين انتظروا خطاب الرئيس السوري امس قد فوجئوا بمضمونه، وخصوصاً لجهة عدم تطرّق الرئيس الأسد إلى قرارات إصلاحية محددة، أو لجهة إلقائه مسؤولية الأحداث الأخيرة في بعض المدن السورية على ما اعتبره «مشروع فتنة» يهدف إلى ضرب الاستقرار في سورية.

    لم يكن هناك داعٍ لهذا الاستغراب. فالأسد كان صريحاً، منذ بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في العالم العربي، قبل ثلاثة اشهر، عندما ميّز بين نوعين من الأنظمة، احدهما ملتصق بشعبه من خلال تبنيه نهج «الممانعة»، وبالتالي فهو حصين ضد الاحتجاجات، والآخر غير ذلك. وفي ظل رؤية كهذه كان طبيعياً أن يستنتج نظام «الممانعة» أن الاحتجاجات التي تقوم في مدنه هي جزء من المؤامرة الخارجية التي تستهدف سياسة البلد وموقعه الداعم لحركات المقاومة، وليست مجرد احتجاجات تطالب بتلبية حاجات شعبية، ولا بد بالتالي من التجاوب معها. من هنا جاء اتهام الرئيس السوري لـ «المتآمرين» بأنهم قاموا بـ «اختيار خاطئ للوطن والشعب حيث لا ينجح هذا النوع من المؤامرات».

    هكذا وضع الرئيس الأسد الاحتجاجات التي انطلقت من درعا في سياق الحملة التي تعرضت لها سورية منذ غزو العراق، والتي قال انه استطاع الوقوف في وجهها وإفشالها، لكنها عادت اليوم تهدد بلاده بأسلوب مختلف، مستغلة المناخ الشعبي السائد في المنطقة العربية.

    وعندما يصير النظام هو الوطن، بحسب رؤية الأنظمة التوتاليتارية، تتحول الدعوات إلى إصلاح النظام إلى مشاركة في «المؤامرة» على الوطن، ويكون صعباً الإقدام على خطوات تلبي المطالب الشعبية. فمجرد التشكيك في نوايا المطالبين بالإصلاحات، ووضعهم في خانة من يخدمون «المؤامرات المتصلة على هذا الوطن»، يقطع الطريق حكماً على المطالب الإصلاحية، مستخدماً لتبرير التأجيل الحجة القديمة، وهي أن المطلوب هو السرعة لا التسرع، لأن «التسرع في الإصلاح سيكون على حساب النوعية».

    لا شك في أن الرئيس السوري ينظر إلى ما يجري من حوله في المنطقة العربية وإلى طريقة معالجة الاحتجاجات القائمة في عدد من دولها. ومن الطبيعي أن تكون عينه على الدور الذي تلعبه القوى الغربية في ما يجري في ليبيا خصوصاً في وجه نظام القذافي الدموي، وكذلك موقف هذه الدول من الوضع في اليمن، ومطالبتها الرئيس علي عبدالله صالح بحقن الدماء والتنحي السلمي عن الحكم.

    وسواء كان ما يجري في بلدان كهذه جزءاً من مشروع غربي، يهدف إلى توفير غطاء للتحولات باتجاه الديموقراطية في المنطقة، بشكل سلمي نسبياً في بعض الأماكن، كما حصل في تونس ومصر، أو بالقوة في أماكن أخرى، كما الحال في ليبيا، وحتى لو قيل إن هذه التحولات باتجاه الديموقراطية تخدم المصالح الغربية وتلتقي مع أهدافها، فإن الأكيد أن تلبية المطالب الداخلية هي التي تقطع الطريق على أي مشروع غربي في المنطقة، بعدما ظهر أن الاحتجاجات الشعبية أمر لا مفر من التعامل معه، وبعدما تجرأت الشعوب العربية على الخوف، وباتت ترى أن حق شعب ما بالحرية في وجه نظام قمعي، لا يقلّ عن حق أي شعب آخر.

    بين نصيحة الصديق التركي بـ «تطبيق سريع وحقيقي للإصلاحات على الأرض من دون تأخير»، ونهج إيران في التعامل مع الاحتجاجات التي أشعلت شوارعها ضد تزوير الانتخابات الرئاسية في صيف العام 2009، يُخشى أن تكون القيادة السورية اختارت النهج الثاني. ذلك أن مواجهة «المؤامرة الخارجية» التي قال النظام الإيراني إنها كانت محدقة به آنذاك، هي الأسلوب الذي يتحدث عنه النظام السوري اليوم في وجه «المؤامرة» نفسها. وقد يكون الشعور أيضاً أن ما «نجح» هناك وانتهى بالمعارضين إلى ما انتهوا إليه يمكن أن ينجح هنا أيضاً!

    الياس حرفوش
    جريدة الحياة
    31.03.2011


    Conspiration


    Le sang et l’âme. Précieuses espèces dont est particulièrement prodigue, au Moyen-Orient, la foule de ceux qui n’ont rien. De sang et d’âmes se nourrissent les despotes, et le peuple, complaisant, remplit le garde-manger. Comment en arrive-t-on à ce point ? Des processus de domination s’installent, sournois. Ils sont transmis de père en fils. Curieusement, ces méthodes sont décrites dans pléthore de traités. La nature humaine est-elle si simple que les mêmes causes y produisent aussi naturellement les mêmes effets ? Ici ou là dans cette région du monde, les traditions tribales et guerrières, le patriarcat endémique et la marginalisation des femmes, entre autres causes, ont favorisé la création d’idoles tyranniques. C’est à ces chefs que l’on hypothèque son âme et son sang, mais aussi sa famille, sa descendance, son travail, sa liberté et surtout son intelligence. Qu’y gagne-t-on ? Là où d’autres ne voient que soumission et aliénation, ceux qui célèbrent le culte du chef croient au contraire bénéficier d’une puissance et d’une virilité accrues à l’ombre écrasante de celui-ci. Puissance et virilité face à l’arrogance de l’Occident colonisateur et l’agressivité conquérante d’Israël. Quelles que soient les circonstances qui les auront menés à cette dépendance, elles ne concernent qu’eux. Quant à leurs enfants, ils sont arrivés au milieu d’une conjoncture où rien ne justifie à leurs yeux des « états d’urgence » jurassiques et des régimes liberticides. L’ère des colonies est révolue, et la présence d’Israël ne pèse pas vraiment à l’intérieur des pays où règnent des despotes. Ce n’est un secret pour personne qu’Israël lui-même préfère avoir pour interlocuteurs des régimes monolithiques et compter aussi longtemps que cela puisse durer sur une même position.

    Les enfants donc. Leur sang, ils ont besoin de le sentir pulser dans leurs jambes, dans leurs poumons, dans leur cœur. Leur âme, ils en ont besoin pour aimer. Si conspiration il y a, pour pousser les nouvelles générations arabes à déboulonner les statues obsolètes, elle ressemble au dégel qui fait exploser les torrents. C’est la conspiration de la liberté trop longtemps contenue, du désir, de l’envie de dévorer sa vie plutôt que de la livrer à des régimes anthropophages. C’est la conspiration du rêve et du droit à l’ambition. Que des esprits malfaisants s’en soient mêlés, comme les en soupçonnent les tyrans, ils n’ont pas dû se donner beaucoup de mal.

    Fifi ABOU DIB
    L’Orient-Le Jour
    31.03.2011


    Picture of the Day: Estonian Bikers ID Cards


    Lebanonfiles published today (March 31st 2011) ID card pictures of three of the seven Estonian Bikers kidnapped in Lebanon on March 23rd: Kalev Käossar (37 years old), August Tiller (40), and Madis Paluoja (40).

    Internal Security Forces chief announced the arrest of four people implicated in the abduction and seemed confident the bikers will be released soon. Hoping this will happen soon, we urge all security and political authorities to understand the terrible implications of such acts on Lebanon’s image, economic well being, and credibility in the international community.


    لا خــــطـــــاب اقــــتــــصــــاديـــــاً في لــــبــــنـــان


    الكل يتكلم عن النمو والدّين ولكن لم يحدّد أحد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية

    بولونيوس: ماذا تقرأ، سيدي؟

    هاملت: كلمات، كلمات، كلمات

    شكسبير

    لا فريق سياسيا في لبنان يملك أو يقدّم للناس خطاباً اقتصادياً. ولا فريق سياسيا في لبنان يملك أو يقدّم للناس خطاباً اجتماعياً. لا أحد.

    نستعمل كلمة “خطاب” بمعنى محدّد. فكل كلام سياسي، ومن مشتقاته الكلام الاقتصادي والاجتماعي – ونعتمد في تفسيرنا هذا على الفيلسوف ميشال فوكو – يصبح خطاباً فقط حين يدخل في صراع مع أصحاب الوضع القائم أو أصحاب الخطاب الآخر من خلال تحديد أهداف ووسائل واضحة لتحقيقها. فالخطاب يحدد الهدف، واستطراداً الخصم. ولا خطاب حقيقياً دون خصم.

    الخطاب الاقتصادي غائب في لبنان. الكل يتكلم عن الدين والنمو، لكن أين الخطاب الذي يحدد الأولويات الاقتصادية ووسائل تحقيقها ومسار تنفيذها الزمني؟ الكل يذكر الدين الحكومي ومخاطر ارتفاعه المستمر، إلا أنه لم تجرِ منذ 20 عاماً مناقشة واحدة في مجلس النواب أو في مجلس الوزراء عن الدين وكيفية الحدّ من ارتفاعه ومخاطره.

    صحيح أن هناك تصوراً رسمياً عاماً عن إجراءات لتخفيض حجم الدين، وينبثق هذا التصور من دراسة أعدّها صندوق النقد الدولي لهذا الغرض، وترتكز اقتراحاتها أساساً على زيادة الضرائب وعمليات خصخصة عديدة في القطاع العام. إلا أن الدراسة نفسها، التي اعتُمدت في مؤتمر “باريس-3” في اوائل عام 2007، تقرّ أنه حتى إذا تمّ تنفيذ كل الإجراءات الإصلاحية الملحوظة من خصخصة شبه شاملة وزيادات في الضرائب فإن مستوى الدين سوف يبقى مرتفعاً (أعلى من 100% من الناتج المحلي بتقديرنا). ويبدو أن هذه الملاحظة الهامة لم تلقَ انتباه المسؤولين والمراقبين واهتمامهم. أي أنه ليس هناك حالياً أي تصور فعّال حول مشكلة الدين.

    والمسألة الأهم تبقى قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو القوي في المدى المتوسط والبعيد، وهذا هدف أساسي لكي يتمكن الاقتصاد من إنتاج فرص عمل كافية، ولكي نضع الدين الحكومي (نسبة إلى الناتج المحلي) على منحى انحداري متواصل. إلا أن قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو القوي المتواصل مكبّلة بضعف إنتاجيته. ففي حين أن العمالة الحالية في لبنان أصبحت ضعف عديدها قبيل الحرب في عام 1975 أو أكثر بقليل، لم يرتفع حجم الناتج المحلي بالأسعار الثابتة إلا بحوالى النصف خلال الفترة نفسها، ما يعني أن معدل إنتاجية العامل لا يزال أدنى بشكل ملحوظ مما كان عليه منذ أكثر من ثلاثة عقود! ومن مظاهر هذا الواقع المقلق، إن لم يكن من أسبابه، تركّز النشاط الاقتصادي في لبنان، ومنذ الاستقلال، في رقعة ضيقة في وسط البلاد في حين تبقى غالبية اللبنانيين والمناطق اللبنانية وكأنها تعيش في عالم آخر، خارج فرص العمل المتاحة والتطور الاقتصادي. صحيح أن مساحة لبنان صغيرة إلا أن المسافات الاقتصادية والاجتماعية فيه كبيرة. وليس هناك خطاب واحد من قِبل أي فريق سياسي يتعرض لهذه المشكلة الأساسية في بنية الاقتصاد اللبناني.

    والخطاب الاجتماعي غائب أيضاً في لبنان. طبعاً، هناك عدة دراسات رسمية ميدانية وقيّمة أجريت منذ عام 1997 عن الوضع الصحي والتعليمي والمعيشي إجمالاً، إلا أنها دراسات لم تنتج سياسات لتحسين الواقع الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، أظهرت آخر دراسة رسمية ميدانية (وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عام 2008) عن الأحوال المعيشية في كل لبنان خلال عامي 2004/2005 أن 28% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وأن حالة الفقر في لبنان تتركّز في محافظة الشمال حيث 53% من سكانها (نعم، أكثر من نصف سكان الشمال) يعيشون تحت خط الفقر. ويقيم غالبية هؤلاء في طرابلس وعكار والمنية -الضنية. بالطبع، لهذه الحالة الاقتصادية والاجتماعية نتائج سياسية منها خلق أجواء مؤاتية لتفشي الحركات الأصولية. ما ردّ فعل أي من الفرقاء السياسيين تجاه هذا الواقع، وبالأخص من حاملي لواء التصدي للحرمان الاقتصادي والاجتماعي؟ لا شيء.

    وفي لبنان شبه خطاب سياسي فقط. نقول “شبه خطاب” لأن الكلام السياسي المتداول يحدّه أفق سياسي جامد، ويهدف فقط إلى تحسين حصة صاحب الكلام⁄الخطاب في السلطة مع بعض التعديلات الإصلاحية. ولا يدخل شبه الخطاب السياسي في لبنان في المسار الإصلاحي المؤسسي والقانوني، ولا في تفاصيله الضرورية ومتابعته الزمنية. وعلى سبيل المثال، فقلّما أجمع اللبنانيون على شيء كاعترافهم بمساوئ النظام الطائفي والويلات التي أتى بها أو لم يستطع تجنّبها. ولغاية الآن، هناك كلام لا بل شعارات كثيرة عن ضرورة إصلاح النظام الطائفي القائم أو إلغائه، وقيام الدولة المدنية، لكن لا أحد يطرح خطاباً واضحاً بمعناه التغييري والعملاني حول هذا الموضوع. إن غياب الخطاب السياسي عن كيفية تخطي النظام الطائفي للوصول إلى الدولة المدنية أو العلمانية – والمطالبة محقّة وضرورية – يلقي شكوكاً حول دوافع المطالبة بإلغاء النظام الطائفي عند بعض الفرقاء، ويعزز الهواجس الطائفية بدل تقويضها.

    لقد حان وقت الخطاب السياسي، ومنه الخطاب الاقتصادي والاجتماعي. فلنأخذ مثلاً مسألة الدين التي نعتقد أنها الأكثر إلحاحاً نظراً للأخطار التي يحملها حجم الدين بالنسبة للوضع الاقتصادي والسياسي معاً. وفترة الهدوء النسبي التي نعيش، كما الأجواء المالية العالمية المؤاتية بفعل الفوائد المتدنية بشكل غير مسبوق تاريخياً، مناسِبة جداً للبدء بسياسة فعلية وفعّالة لوضع الدين على مستوى انحداري متواصل ولفترة طويلة.

    يخطئ من يظن أن لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية الضرورية محاذير سياسية كبيرة ناتجة عن زيادات في ضرائب ورسوم عديدة تتطلبها تلك الإصلاحات، وعن انخفاض في المستوى المعيشي للعديد من اللبنانيين من جراء التقشف المالي الواجب اعتماده لبضع سنوات. المشكلة ليست في الضرائب ومحاذيرها السياسية. فالمواطن اللبناني، أي مواطن، لن يتردد في تحمل عبء الإجراءات الإصلاحية من ضرائب وغيرها إنما فقط حين يتأكد أن جميع الفرقاء في المعادلة، من سلطة سياسية وأصحاب عمل ومصارف وغيرهم، هم أيضاً شركاء في تحمل عبء الإصلاح. لن يكون المواطن اللبناني مستعداً، وعن حق، أن يدفع وحده كلفة مشاكل اقتصادية نتجت عن ديون لم يرَ من منافعها إلا القليل.

    إذا حدث أن فاجأ المسؤول السياسي المواطن بخطاب إصلاحي جدي، وأن التزم تحقيق تعهدات خطابه، فمن المؤكد أن المواطن اللبناني سيدهش الجميع بمدى استعداده للتضحية. العائق الرئيس أمام الإصلاح ليس في حجم التضحيات أو الإصلاحات المطلوبة وفي صعوبة تنفيذها. وبالتأكيد، المشكلة ليست عند المواطن اللبناني بل في الجرأة في أخذ القرار الإصلاحي المناسب. فحين تتعهد السلطة بتنفيذ إصلاحات متكافئة من حيث عبئها على مكوّنات المجتمع تصبح مسألة الدين والإصلاحات الضرورية مسألة تفاصيل. وهذه التفاصيل هي طبعاً هامة ويجب تحديدها. إلا أن هذا موضوع آخر.

    توفيق كسبار
    جريدة النهار
    30.03.2011


    لبنان الجامد في منطقة متغيرة


    المسألة في لبنان أكبر من تأليف حكومة، مهما يكن شكلها ولونها وحتى برنامجها، والمشكلة أعمق من الأزمات السياسية الطافية على سطح أزمة بنيوية في النظام المطلوب منذ ولادته. فالمجتمعات مقسمة الى ثلاثة أنواع، كما كتب باحث تركي. أولها “مجتمع مفتوح وعقول مفتوحة”. وثانيها “مجتمع مغلق وعقول مغلقة”. وثالثها “مجتمع مفتوح وعقول مغلقة”. وما ينطبق على تركيا، في رأي الباحث، هو النوع الثالث. وهو عملياً ما ينطبق على لبنان.

    ذلك أن لبنان لم يشهد في تاريخه، حتى أيام الحروب، مرحلة بلغ فيها الانغلاق ما وصل اليه اليوم: انقسام وطني وسياسي حاد مدموغ بالطائفية والمذهبية. عصبيات فائرة وأعصاب ثائرة. حوار مقطوع وسجال مفتوح بين الأطراف. واختصار بلد وشعب، لا فقط بعدد قليل من الزعماء بل أيضاً بـ “لاءين”: لا للسلاح، ولا للمحكمة.

    والأخطر هو تزامن هذه المرحلة مع مرحلة من الانتفاضات والثورات في العالم العربي. فالتحولات هائلة. والمتغيرات تزعزع الثوابت. واذا كان لبنان هو الأكثر تأثراً بما يدور حوله، فإن التركيبة السياسية هي الأقل رغبة في القراءة الموضوعية في الجغرافيا – السياسية المتغيرة والأشد حرصاً على القراءة في المرآة. لا بل ان المواقف تتحكم بها المواقع بدل أن يحكمها استقراء الأحداث. والمشهد يوحي أن لبنان مجموعة من القطع المفصولة عن بعضها البعض والمرتبط كل منها بقوة خارجية.

    ولعل العنصر الايجابي الذي برز خلال الأسابيع الماضية هو سقوط التنظيرات حول الديمقراطية التوافقية على أيدي الذين جعلوها ايديولوجيا ثابتة الى أن يسقط النظام الطائفي. فالتجربة أو الممارسة اللبنانية الديمقراطية التوافقية في ما سمي حكومة وحدة وطنية كانت فاشلة بكل المقاييس: من معالجة قضايا الناس وملء الشغور في الادارة ومكافحة الفساد الذي يأكل سدس الناتج القومي كما يقول الخبراء الى التصدي للتحديات الكبيرة أمام الوطن. لكن حكم الأكثرية، يبدو قبل أن يبدأ، تجربة مرشحة للفشل. فلا الأكثرية الجديدة استطاعت الاتفاق على توزيع الحصص لتأليف الحكومة. ولا ما قيل عن زوال العقد الخارجية التي كانت تفرض التريث قاد الى حل العقد الداخلية. لا حكومة أسود ورمادي مقبولة من أركان الأكثرية الجديدة. ولا حكومة أسود فقط مقبولة من الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية.

    ولا شيء يوازي حسابات الداخل للإمساك بالقرار في مجلس الوزراء سوى حسابات التهيب حيال الصدام مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي في مرحلة تغيير الدول. واذا كان من الصعب تحويل المجتمع اللبناني المفتوح مجتمعاً مغلقاً، فإن الأصعب في الظاهر هو فتح العقول المغلقة.

    رفيق خوري
    جريدة الأنوار
    30.03.2011


    طوارئ لبنانية


    أمام الحدث السوري الاستثنائي، لا بد من عقل لبناني استثنائي أيضاً، يوفر أعلى درجات الحصانة للبنان، ويعلن حالة طوارئ أمنية وسياسية قصوى، تعترف صراحة بأن البلد في خطر داهم، لم يسبق له مثيل منذ اكثر من خمسة وثلاثين عاماً، وهو يمس كيانه وصيغته وتسويته الداخلية المتعثرة، فضلاً عن أنه يهدد حدوده الشرقية والشمالية، وإلى حد ما أيضاً الجنوبية.

    التعامل مع الحدث السوري باستخفاف يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه أبداً في لبنان. وهو يفسح المجال للمتعاملين بخفة الآن مع ذلك الحدث والذين يحاولون وضعه في أرصدتهم الخاصة من دون أي تقدير واع لمثل هذه المغامرة التي بدأت ملامحها تظهر في الشارع اللبناني، والتي يمكن أن تجرف الجميع الى اشتباك محلي لن ينجو منه أحد.. لا سيما أولئك المتحمسين له الذين يخطئون في قراءة ما يجري في دمشق.

    مهما كان حجم الإصلاح والتغيير الذي سيحصل في دمشق، وهو حاصل لا محالة، ومهما كان شكله الذي يرجى أن يكون سلمياً، وهو مرجح فعلاً، فإن تردداته اللبنانية ستكون أقوى بما لا يقاس من وقائعه السورية، التي تستند الى عصبية وطنية قوية وفكرة قومية فعلية، وإلى بنية اجتماعية وسياسية وثقافية متماسكة إلى حد بعيد، وقادرة على توفير مناعة كافية للدولة التي يمكن أن تصمد وتتطور بسهولة.. وهو ما ليس متاحاً في لبنان الدولة ولا في النظام المتهالك ولا في المجتمع المفكك.

    الأمر يقتضي مراجعة للعلاقات اللبنانية السورية التي بنيت طوال العقود الأربعة الماضية على عناصر خلل متعددة. لكنها ليست مهمة ملحة، وهي لا تتقرر في بيروت بل في دمشق، كما هي الحال دائماً. الأشد إلحاحاً هو العمل بأي وسيلة ممكنة من أجل إنهاء حالة التربص المتبادلة بين الفرقاء، أي الطوائف والمذاهب اللبنانية التي ما إن سمعت خبر التظاهرة الاولى في درعا، حتى امتشقت السلاح مجدداً واستعدت لاختبار جديد لموازين القوى الداخلية.

    ليس المنشود من القيادات اللبنانية أن تعتبر الحدث السوري فرصة تاريخية أيضاً للتغيير والإصلاح في لبنان. لا أحد يفترض في تلك القيادات ذلك القدر من الوعي والاستجابة لجمهور متنام يطالب بإسقاط النظام الطائفي. فالكل يعرف أن الجمهور الذي يطالب ببقاء ذلك النظام ما زال كاسحاً. المطلوب فقط بعض الإجراءات العملية التي تعتبر أن البلد أمام منعطف حاد، يفوق بأهميته دخول سوريا إلى لبنان عام 1976 أو خروجها منه عام 2005.. ويعادل الدخول إلى الحرب الأهلية عام 1975 ثم الخروج منها في مواعيد غير ثابتة حتى الآن.

    الحدث استثنائي، وهو يستدعي على الأقل، العودة الى دفتر تعليمات المجتمع الدولي عام 2005 ، إي إحياء هيئة الحوار الوطني على بند حماية الاستقرار الداخلي والحدودي، أو الاستعاضة عنها باللجوء الى تشكيل حكومة أقطاب مصغرة عنوانها متابعة المرحلة الانتقالية الحرجة، إو الإسراع في تشكيل حكومة تكنوقراط تدير المؤسسات، وتفتح قنوات الاتصال بين الأقطاب.. قبل أن يصبح البلد بلا أي قطب.

    ساطع نورالدين
    جريدة السفير
    30.03.2011


    اللبنانيون وانتفاضة الشعب السوري


    هل يمكن أن يخطئ أحد في ما يمكن أن يكون موقف اللبنانيين مما جرى ويجري في سوريا؟ لا أظن، ولا أعني هنا حلفاء النظام السوري في لبنان، إذ يكفي ان يكون هؤلاء، كحلفائه داخل سوريا، لا يُبالون بانتفاضة الشعب من أجل الحرية والكرامة، ولا يهتمون إلا بمصالحهم مع النظام وبما يستطيعه تمكيناً لهم، لكن استغلالاً لهم أيضاً.

    كان اللبنانيون القلائل، الذين تجرأوا على كشف المظالم التي يتعرض لها اشقاؤهم السوريون، تعرضوا للتصفية أو الاضطهاد والترهيب. كذلك لاقى السوريون القلائل الذين وقعوا على “اعلان دمشق” أنواعاً شتى من الاعتقال والقهر والنبذ، لمجرد أنهم جهروا مع أشقائهم اللبنانيين لمفهوم سام للأخوة والتواؤم مغاير للمفهوم الذي تبناه النظام.

    حصل أن مثقفين من البلدين تلاوموا على صمت بعضهم إزاء بعض في شأن معاناة صارت مشتركة أيام عهد الوصاية السورية على لبنان. وحصل ان مثقفين من البلدين حاولوا كسر الصمت فدفعوا الثمن غالياً. لم يكونوا يواجهون سطوة هذا النظام، هنا وهناك فحسب، وإنما واجهوا حالة عربية عامة ثم حالة ايرانية خاصة تدعمه. وفيما يتساقط الآن الجانب العربي في هذه الحالة، فإن جانبها الايراني يحاول ان يتذاكى بادعاء ان الثورات العربية تستلهمه، متناسياً أنه لم يبق فيه شيء لإلهام أحد.

    يولد اللبناني وهو يعرف ان بلده صغير وتعددي ومثقل بتاريخ من الانقسامات، ولذا فهو يتطبع بالمسالمة وعدم التدخل في شؤون الآخرين. لكن انفتاح البلد والتعايش الحتمي بين فئاته ومناخ الحرية الذي انغرز في جيناته تجعله تلقائياً صاحب موقف ضدّ الظلم والعنف. وثمة عبارة موفقة للبطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي في احتفال توليته جاء فيها أن “في احتكار فئة للوطن احتقاراً لنا جميعاً”. فالعلاقة السببية بين هذين الاحتكار والاحتقار تختصر جوهر الثورات العربية الراهنة، لأن من يحتكر السلطة ويعمل على تأبيد نفسه فيها لا بدّ أن يقع في مفاسدها فينتهي الى احتقار كل شعبه.

    بلغ تدخل النظام السوري في لبنان، أفراداً وجماعات، دولة ومؤسسات، دستوراً وقوانين، ما لم يترك مجالاً لتدخل اللبنانيين في سوريا، على افتراض انهم رغبوا في ذلك يوماً، ولم يرغبوا أملاً في أن يفهم هذا النظام أن تدخلاته ما هي إلا أخطاء يمكن أن تمرّ بعض الوقت، ولا يمكن أن تمرّ كل الوقت. ولا يعني عدم تدخل اللبنانيين أنهم لم يدركوا طبيعة هذا النظام، أو أن لا موقف ولا رأي لهم في ممارساته، بل أنهم رفضوا ويرفضون أن يتولى مسؤولون لبنانيون، خصوصاً في المنظومة الأمنية، إضفاء ملامح وتقاليد استبدادية تشرّبوها من تبعيتهم له، في ادارة مؤسساتهم. وبديهي أن الاشتباك السياسي الناشب في لبنان الآن ناتج في كثير من جوانبه عن الصراع بين الراغبين في استنساخ ذلك الاستبداد وبين رافضيه لأنه لم يكن ولن يكون من طبيعة البلد.

    لا يريد اللبناني لأي سوري، لأي عربي، إلا ما يريده لنفسه من تحرر وكرامة وعيش كريم، ولوطنه من استقرار وازدهار وسلم أهلي. فبلدان العرب وشعوبها تتوق جميعاً الى الحكم الرشيد، وسيادة العدل، واقتصاد حيوي لا تنهبه وحوش الفساد، وفرص عمل وتأهيل، وتعليم متفاعل مع العصر، وخدمات سوية. أي نظام يطمح لأن يكون دولة لا بد ان يحترم هذه الهواجس، وإذا اقتصر طموحه على ان يكون سلطة فلا بدّ أن يتوقع غضب الشعب ولن يستطيع تأجيله الى ما لانهاية.

    كان المتوقع ان يلتقط النظام السوري مغزى الانذارين التونسي والمصري، ثم الليبي واليمني، وأن يبادر الى العمل. لكنه اهتم على الأرجح بفحص الماكينة الأمنية، ولما وجد أنها على ما يرام لم يشأ أن يذهب أبعد. أخطأ في تجاهل ان الشعب يمكن ان يفاجئه، وكذلك في تقدير مدى مناعة شعبيته، كما في قراءة صمت الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات. أهمل نصائح الصديق التركي، ولعله لم يوفق في تحليل ظروف تنحي حسني مبارك وفرار زين العابدين بن علي والصمود الموقت لعلي عبد الله صالح، لكنه لا يُعذر في مراهنته الضمنية على بقاء معمر القذافي واحتمالات انتصاره على شعبه. لم يكن سراً أن النظام يستطيع اطلاق الرصاص على المواطنين، لكن التحدي كان ألا يفعل، لا أن يفعل. إذ ان القتل الذي يسبق مباشرة الاعلان عن اصلاحات مهمة وجذرية لا يلبث ان يقتل النيات الطيبة حتى لو كانت صحيحة، بل أن القتل يجعلها متأخرة وغير كافية ويثير كل الشكوك. فكيف يصدّق الشعب الذي رزح نحو خمسين عاماً تحت احكام الطوارئ، وكل ما رافقها من تشوّهات نفسية وثقافية واجتماعية، أنها يمكن أن تُشطب بجرّة قلم، فالطوارئ غدت منظومة حكم وحفرت “ثقافتها” عميقاً في البشر والحجر ولا تعتبر ملغاة إلا بإزالة منظومة القوانين التي كرّستها، وبإلغاء الاجهزة التي استمدت منها سبب وجودها، وبإعادة تأهيل كل شخص عمل فيها، وأخيراً باستبعاد كل من يعرف بارتكاباته المشينة في اطارها.

    رغم بعض الهتافات النابعة من غضب أو ألم أو فجيعة، فهم العالم أن احتجاجات سوريا ليست في صدد إسقاط النظام وتغييره، ولا هو في صدد الاعداد للرحيل. لكن الشعب استيقظ، وفي ذلك مصلحة لسوريا، بل أيضاً مصلحة للنظام ليعيد النظر عميقاً في تجربته وفي علاقته مع الشعب، لا ليكمل أو يستأنف السياسات ذاتها بعد مرور العاصفة. فأنصاف الحلول أو انصاف الاصلاحات ستنكشف بسرعة. كانت الوصاية على لبنان أكبر انجاز حققه النظام لنفسه لكنها كشفت كل عيوبه داخل سوريا نفسها. ولا شكّ أن انتفاضة الشعب فرصة لاعادة نظر شاملة في مسيرته، وخصوصاً للعودة الى الاهتمام بالداخل بدل تجميع الأوراق الاقليمية والعبث بها. ثمّة حاجة الى حوار وطني حقيقي في سوريا، والى إعادة تشكيل النظام ليصبح دولة للجميع بدل الاهتمام بتشكيل الحكومة في لبنان أو في العراق وفلسطين.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    30.03.2011


    Security Takes Back Seat to Greed


    Over two months have passed since Najib Mikati was nominated to replace Saad Hariri as prime minister, and the bottomless greed for power among Lebanon’s political bosses that is prolonging the government agony has also left the country even more vulnerable than usual.

    Breathless reports constantly surface that a new cabinet is surely a day or a week away; these fables only obfuscate the reality that Mikati just has to slap together a cabinet from the March 8 bloc. Once it became clear that the rival March 14 camp would not participate, Mikati should have needed but a handful of days to sort out the distribution of posts among purported allies.

    Other fanciful tales of obstructions from this or that outside power also amount to blather; the only hurdle that the various March 8 parties seem unable to scale is their own uncontrollable lust for bigger and bigger morsels of the executive booty.

    Despite the massive hunger among Lebanon’s political class for government posts and the attendant largesse, a similar dynamic typically plays out in any country with a multi-party parliamentary system. But Lebanon in 2011 happens to find itself buffeted on all sides by regional turmoil of historic proportions, with revolutions overthrowing regimes, blood literally flowing in the streets, conflicts ready to ignite and threats from all sides fouling the air; Mikati and the political capos hashing out cabinet posts, meanwhile, are shambling along as if Lebanon rested in a galaxy far, far away.

    On the contrary, Lebanon is especially exposed to potential negative fallout from the Arab upheaval. The country’s economy could easily succumb to a disastrous plunge; in spite of the regular turbulence bedeviling the nation since 2005, Lebanon quite admirably managed to gain investor confidence; the longer Mikati leaves the country with a caretaker Cabinet, however, the greater the chances become that investors will flee and confidence will disappear – and it would take years to rebuild.

    Lebanon has also seen the first, tragic breaches of security. The bombing of a Zahle church and the unexplained disappearance of seven Estonians should have sent a signal to the dithering politicians that the country urgently needs a new, active and responsible cabinet.

    But perhaps the most odious aspect of the grubby government bargaining is that these so-called leaders are seeking to slake only the interests of their own rapacious partisan band; they are not engaging in battles over which policies to pursue or how best to serve Lebanon’s people. The squabbling politicians need to wake up to the dangers threatening Lebanon, abandon the self-interest blinding them to the regional unrest and form a government before catastrophe strikes – and any such calamity would make all the Lebanese suffer, regardless of their party’s share of the public pie.

    The Daily Star
    29.03.2011


    حول تظاهرة “إسقاط النظام الطائفي”: الاستثناء اللبناني من قاعدة العنف العربية


    يُعجَب المراقب من بعيد بهذا النظام الطائفي الللبناني الخارج عن القاعدة العربية: التظاهرات الشبابية الثلاث، حتى الآن، المطالِبة باسقاطه، لم تتعرّض لأي قمع من ذاك الذي يشاهده في كل التظاهرات العربية التوّاقة الى إسقاط أنظمتها. لا جرحى ولا قتلى ولا حصار ولا “بلطجية” ولا تهديدات بالصوملة أو التقسيم أو الحرب الاهلية… عجبا! أليس النظام اللبناني، طاعنا في السن، فاسداً توريثياً فاشلاً… مثله الأنظمة العربية الشقيقة؟ ثم أليس النظام الطائفي اللبناني موّلدا للعنف، صاحب السجل الأنصع في “التفسير” له والترويج لشروحاته والركون الى مستقبله؟

    بلى ولكن: اولا، العنف الذي نحن بصدده هو عنف ما بين الطوائف. والتظاهرات الخارجة للمطالبة باسقاط النظام الطائفي، هي بالتعريف وبالتجسيد، خارج دائرة الطوائف؛ يُفترض انها تجمع أفرادا جاءوا بدوافع شخصية-سياسية صرفة، ومن ألوان وأشكال لا تُحصى. انظر الى المتظاهرين والمتظاهرات… دقّق بهندامهم وسحنتهم وطلّتهم، ولن يفوتك تنوّعهم الهائل. صحيح ان من بينهم “شخصيات” و”وجهاء” من صلب النظام الطائفي، ولكنهم يبدون مثل سمكة خارج بحرها؛ كأنهم ليسوا في مكانهم الطبيعي. واذا بقيت هذه التظاهرات على منوالها الاول من التنوع والاختلاط، فسوف تتحول مع الوقت الى ملاذ آمن، لا بقعة من العنف والعنف المضاد، تحمي نفسها بنفسها؛ والسبب، المفارق جدا، هو النظام الطائفي الذي يعنّف على أساس طائفي؛ نظريا على الأقل.

    ثانيا، العنف الذي نتكلم عنه، العنف العربي الرسمي ضد متظاهرين، نابع من مصدر واحد، هو مصدر قرار هذا النظام، أي الرئيس، الذي هو في الغالبية الساحقة من الحالات صاحب عهد مديد. اما القرار في النظام اللبناني، فموزّع على عدد غير مستقر من “الرؤساء”، وعلى صراع دائم من اجل إزاحة “رئيس” هذه الطائفة وتنصيب رئيس آخر… ناهيك طبعا عن صراع أولوية هذه الطائفة الكبرى أو تلك في التحكّم بقرارات طائفة، أو طوائف أخرى… هذا التبعثر للسلطة أو لطاقة العنف هو الذي يمتّع اللبنانيين بشيء من الحرية. ولكن هذا الاحساس بالحرية، أو بنقيضها، يعتمد على العلاقة التي يقيمها المرء مع زعيم طائفته، أو زعماء طائفته. ثم يعود فيلتبس بشدة اذا خرج المرء من طائفته وأصبح تحت حماية رئيس الطائفة المعادية، وهكذا… المهم ان مخزون العنف ليس مركّزا في يد واحدة، كما في الديكتاتوريات العربية. انه منثور هنا وهناك، له وجهات أو مقاصد متعدّدة.

    ثالثاً، اللبنانيون دفعوا سلفا، ولا يزالون يدفعون، ضريبة العنف الطائفي، بحروبهم الاهلية الساخنة أو الفاترة أوالباردة. فمنذ أوائل السبعينات وحتى الآن، لم يقصّر النظام الطائفي في التسبّب بضرب الحجر والبشر، قتلا وتدميراً وتهجيراً، تليه اسرائيل… الضريبة اذن مدفوعة سلفاً، ولا جميل يُحفظ لهذا النظام، إلا واحداً، وهو اطلاق اللسان على عواهنه، من غير رقيب ولا حسيب (باستثناء حالة “تحريم” واحدة، كانت التظاهرة الاخيرة خير تعبير عنها: فعلى إحدى اليافطات كُتب “حلّوا عنا…”، ووردت صور “الرؤساء” الأبرز لتلك الطوائف، إلا صورة حسن نصر الله. وقد اجيب عند السؤال عنها ان شخصية نصر الله “مقدسة”).

    يتمتّع اللبنانيون اذن بقدر من حرية اللسان ضد نظامهم. كل الناس في لبنان ضد النظام الطائفي، كما في “مدرسة الهواة”، حيث الجميع ربح، حيث الجميع براء من فساده. هذه عادة ذهنية لبنانية راسخة، وكاريكاتورية أحيانا، ينعشها دائما وأبدا تذرّر سلطة الطوائف بين “أمرائها” الكُثُر؛ عادةٌ تمنح هؤلاء الامراء تصدّر اللسان المناهض للطائفية. لاحظ، مثلا، ان تظاهرات الشباب المطالبة باسقاط النظام الطائفي استحوذت على تعاطف وتأييد ومساندة إعلامية من قبل عتاة التمثيل الطائفي-المذهبي…

    ولكن لا بد من الملاحظة بعد ذلك، ان خطاب معاداة النظام الطائفي ليس خطابا خطيرا، كما هو خطير مثلا خطاب عدم شرعية الديكتاتور. فالأخير، على ما يحيطه من محرمات، هدفه سهل التصويب، ومعروف من أين يأتي الرد عليه؛ معروفة حتى أجهزته الخاصة، “السرية” منها والعلنية، التي يأتي منها هذا الردّ. ربما هذا ما جعل احدى رسمات الكاريكاتور تصوّر لبنانيا يطلب من ربه ان يمنّ على لبنان بديكتاتور!

    فلكي تتوصّل الى تحديد الغرض الدقيق لأي نشاط معاد للنظام الطائفي، عليك ان تقوم بعملية ذهنية معقّدة، تدمج التاريخ بعلم الاجتماع، لتفكيك امارات الطوائف وديكتاتورييها الصغار والمتوسطين. وهذه أولى العقبات الجادة أمام تظاهرات الشباب. حريتهم في القول لا تسعفهم وحدها لتسليط الضوء على النظام الذي يطالبون باسقاطه. من سخريات تاريخ اللبنانيين ان هذه الحرية، النسبية، نفسها هي وليدة النظام الذي يبغضون. فهم قد يحتاجون الى بلورة حرية مختلفة عن تلك التي سكنوا اليها واعتزّوا بها أمام الشعوب العربية الأخرى .

    الثورات العربية الراهنة تقوم كلها على وحدة الشعب، بكل طبقاته وقبائله وطوائفه وأطيافه الثقافية. واذا حصل، أثناء هذه الثورات، إنقسام ما، فهو لا يقوم على خلاف وطني بقدر ما يرتكز على أطراف أو أجنحة تحت القبضة الحديدية للنظام، لا حياة لها من دون الوقوف معه. أكثر من ذلك: الوحدة الوطنية هي السلاح الوحيد الضامن للانتصار على النظام، هي وجهته وديناميكيته. في لبنان، ننطلق من انقسام وطني عميق لننخرط في النشاط الرامي الى إسقاط النظام السياسي. إنقسام بين 8 و14 آذار، وهو الأعمق والأفدح، فضلا عن انقسامات أخرى رديفة أو سابقة. الشباب الناشطون في التظاهرات يتجنّبون اثارة هذا الانقسام؛ وهذا من دلائل الحكمة العالية (سنعود الى هذه النقطة).

    “قوة” الأنظمة العربية، أي استشراسها في الحفاظ على أمنها، وربط أمنها بأمن البلاد، هي التي رسمت حدود هذه البلاد الواضحة، غير القابلة للتخطّي، حتى لو بثورة. المواطن العربي العائش تحت كابوس هذا الأنظمة كانت مكافأته الوحيدة هي تلك الحدود التي وضعتها الدولة “القوية”؛ مع بيضة القبان الحاسمة، أي الجيش الواحد. اما الدولة اللبنانية، فمن نوافل القول انها ضعيفة، فيما النظام السياسي اللبناني “قوي”. لكن الفرق بين النظام والدولة، ان الأول طارىء، يُفترض انه متبدّل، مع تبدّل الأحوال والعقليات، ومع اهتراء صلاحيته بفعل الزمن. اما الدولة، فثابتة، أو هكذا يُفترض بها ان تكون حتى يجد البشر صيغة أخرى لتنظيم اجتماعهم. وعندما نطالب باسقاط النظام من دون ان يكون لنا دولة، من غير حدود فاصلة، كأننا نخوض بذلك مغامرة، نحن الأعلم برخاوة مآلها. النظام الطائفي يجب ان يتغير، طبعا، واثناء تغيره، علينا رسم ملامح الدولة التي نريدها وعاء لهذا التغيير.

    لكن علينا أيضا أن ننظر الى مرآتنا: الطائفية ليست نظاما سياسيا فحسب؛ انها نظام اجتماعي ايضا، يحدّد هويتنا الشخصية والعلاقات بيننا، ويرسي قواعد نزعاتنا ونعراتنا وثقافاتنا ومشاعرنا. وهذا نظام تفكيكه أصعب من النظام السياسي. ومسؤولية معالجته تقع أولا على المطالبين باسقاط النظام السياسي: فهم نواة المجتمع الجديد، لا النظام الجديد فحسب.

    الآن، التظاهرات المطالِبة باسقاط النظام الطائفي: جاء النداء من اجل التظاهر في خير ميعاد. فالنظام اللبناني، وإن تميز بتعدّد رؤوسه، الا ان شأنه شأن الأنظمة العربية الأخرى: بلغ من القِدَم ما أفرغه من طاقته على تسيير شؤون الناس وحمايتهم وضمان استقرارهم ومصالحهم. يقول البعض انه “قوي” في معرض التيئيس من امكانية اسقاطه، أو تغييره. لكنه في الواقع نظام ضعيف، لأنه فاشل، حتى بالقياس الى مقاييسه المعلنة.

    النداء من أجل التظاهر لبّاه أفرادٌ ينتمون الى طرفَي الانقسام الوطني، 14 و 8 آذار. ليس من الواضح اذا كان انخراطهم في هذه التظاهرات وتردادهم لشعار “14 و 8 خلّوا البلد دكانة!”، أو حتى التغاضي عنه، يعني تخلّيهم عن الشعارات الأساسية المحمولة لدى الطرفين. ربما يكون الشباب المبادرون الى التظاهر قد استشعروا، مع اندلاع الانتفاضات العربية، خفوت وهج قضية هؤلاء الطرفين… في هذه التظاهرات أيضا، بالاضافة الى الوجهاء والسياسيين، أعضاء من أحزاب أو مجموعات منظّمة أو نصف منظمة. هل يحاولون السطو على التظاهرات وتجييرها لأغراضهم الايديولوجية أو الاعلامية أو السياسية؟ وبنوع من التذاكي المكرّر؟ ربما، هذا الاحتمال وارد، وربما حاصل؛ انه واحد من التساؤلات المطروحة، بل انه نقطة تحريض أساسية لمعارضي هذه التظاهرات، أو غير الراغبين بالانخراط بها. التساؤل مفتوح الاحتمال والاجابة عليه مرهونة بوعي الشباب وبقدرتهم على تحريك الطاقات وتجذيبها.

    فالمهم في هذه التظاهرات انها أوجدت فضاء جديدا، مجالا جديدا، لالتقاء اللبنانيين بالسياسة غير ذاك الذي أثبت فشله. هذا المجال الجديد قادر على تجميع اللبنانيين حول السياسة، بعدما فرقتهم الأخيرة شعوبا وقبائل. واذا استثنيتَ المتطفّلين عليهم من أحزاب و”شخصيات”، فهم موزاييك فريد التنوّع، لا لجان انضباط بينهم، ولا اغراءات، ولا برمجة، ولا مصلحة غير تلك المعلنة… تعكسه هذه التظاهرات بالذات، كل تظاهرة وراء أخرى.

    لكن مهلا: نحن في لبنان. والنظام الطائفي هو آخر من يسقط من بين الأنظمة الشقيقة. لذلك فإن الطريق طويل، ومحفوف بالخطر. فلبنان بلد هشّ وعطوب، مفتوح على الرياح، على النسمات. أما واننا الآن بصدد إعصار ثوري، فلا نستطيع التنبؤ بخريطة طريقه نحو الحرية الحقيقية. الا ان طول الطريق هي نعمة أيضا: انها تصلح لتكون مدرسة تعايش، بين ابناء الطوائف المختلفة، وأطراف الانقسام السياسي المعطوف عليها. فعند بلوغنا ربع هذه الطريق، ونحن في هذا التمرين على الاختلاف، سوف يكون بمقدورنا، وضمن هذا الاطار فقط، ان نفتح النقاش حول انقسامنا الوطني. هنا سيكون الحوار حوارا، حول الطائفيتين، السياسية والاجتماعية. وقد نكون في الاثناء في حالة من يعيد صياغة هويته الوطنية، بعدما اهترأت هذه الهوية على يد النظام السياسي.

    دلال البزري
    جريدة النهار
    29.03.2011