• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    You are currently browsing the Tajaddod Youth – شباب التجّدد weblog archives for December, 2009.

    من 2009 إلى 2010: هل من قيامة لمشروع الدولة؟


    في الوقت الذي اعتقد اللبنانيون ان طريق الضاحية الجنوبية لبيروت فتحت، ولو قليلاً، امام عودة خجولة للشرعية ومظاهرها، بعدما دعا “حزب الله” وأمينه العام القوى الامنية قبل نحو شهر الى دخولها لمكافحة الجريمة المنظمة وآفة المخدرات، بدا من خلال ما أعقب الانفجار الذي وقع في مركز لحركة “حماس” في حارة حريك من منع “حزب الله” الاجهزة الامنية والقضائية من دخول منطقة الانفجار لغاية اليوم التالي بعدما تم العبث بمسرح الحادث، واخرجت منه حمولة شاحنتين كاملتين، فحضر قاضي التحقيق مصطحبا معه الادلة الجنائية لمعاينة المكان تحت حراسة ملثمي “حزب الله”، فعاينوا فشل الدولة في الضاحية وعجزها في مربع امني كان ولا يزال جزيرة خارج لبنان والدولة، واهلها رهائن ودروع بشرية يجري تجميعهم لجولة جديدة مع اسرائيل!

    وقفت الدولة كلها عاجزة امام الامر الواقع في “جمهورية حزب الله”. وفي ما عدا وزير العدل ابراهيم نجار، لم نسمع مسؤولاً واحداً يسمي الاشياء بأسمائها. ومع وقوف الدولة عاجزة امام اسوار “جمهورية حزب الله” بَانَ الواقع الذي فرض على لبنان واللبنانيين بفعل استخدام السلاح في الداخل وتخويف الناس، ومن خلال تمديد العمل بـ”اتفاق الدوحة” الذي جاء ليثبت غلبة مشروع السلاح الخارج على الشرعية في مقابل ضمور مشروع الدولة. وقد جاءت مرحلة الانتخابات النيابية التي انتصر فيها الاستقلاليون، مجددين اكثريتهم الشعبية والبرلمانية، لتشكل مناسبة اخرى لاستحالة قيام الدولة التي يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون.

    هذا الواقع والسكوت الكبير امام تمدد “جمهورية حزب الله” هو من بين الاسباب التي تدفع الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله الى استسهال مخاطبة بقية اللبنانيين بهذه اللهجة الاستهزائية الاستعلائية، كما حصل في خطبه الاخيرة التي اراد من خلالها تذكيرهم بمعادلة القوة والقهر التي فرضها، ووصل به الامر الى توجيه تهديدات مبطنة بالنصح ظاهراً الى نصف لبنان اي المسيحيين في مناسبة عاشوراء، محذرا اياهم مما وصفه بعواقب الرهانات الخاطئة، وذلك في الوقت الذي يترسخ رهانهم على مشروع الدولة، لا على مشاريع خارجية “اميركية او صهيونية” كما يلمح نصرالله. وقد بلغ الاستعلاء حدا جعل معه بقية اللبنانيين يشعرون كما قال المطران بشارة الراعي انهم هم ايضا يعيشون في ظل شكل من اشكال الثيوقراطية على غرار السجن الكبير في ايران.

    ان السكوت على ما يجري، أي السكوت على “جمهورية حزب الله” بكل ما تعنيه من نقض لفكرة ومعنى الكيان والنظام والدولة، والسكوت على الخطاب الفوقي الذي كاد ان يلامس العنصرية، والسكوت على واقع الوصاية الجديدة المفروضة بالقوة المسلحة والقهر السياسي والمعنوي، كله يؤدي الى وقوع البلاد شيئا فشيئا في يد طغمة فئوية ثيوقراطية مسلحة شبيهة بتلك التي تقتل شعبها اليوم في ايران. فهل هذا هو النموذج الذي يتمثل به “حزب الله” ويعد به اللبنانيين مستقبلا؟

    حان الوقت لكي يخرج الاستقلاليون من سباتهم العميق. وحان الوقت لكي يكسروا اغلال الخوف التي تكبلهم. ان لبنان الذي نحلم به لن يقوم ما دام القادة الاستقلاليون يمارسون سياسة النعامة، ويضخون في الناس انهزامية غير مبررة. ولن تكون سياسة الاستسلام والاذعان المتبعة درعا تقي اللبنانيين اخطار المرحلة والمتغيرات. وفي الخلاصة لن يمكن وقف انزلاق لبنان نحو “جمهورية حزب الله” ما لم تعد الغالبية الاستقلالية الى تجديد جبهتها لحماية الكيان والنظام ومشروع الدولة. و كلامنا هذا موجه الى من خرجوا والى من بقوا على حد سواء!

    علي حماده
    جريدة النهار
    31.12.2009


    gözümüz yok


    بالكاد استغربنا إقفال مدرسة مهنية في قضاء زغرتا – الزاوية عند انطلاق هذه السنة الدراسية. لقد أوصدت أبوابها عنوة على مدى أسبوعين. ثم فتحت بعد حل على الطريقة العشائرية (أو هكذا خُيّل لنا) دون ان تتحرك النيابة العامة رغم التغطية الاعلامية الواسعة التي احتلتها هذه الحادثة على شاشات التلفزة. والمادة 309 من القانون الجزائي صريحة للغاية، فهي تعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة من ترأس جماعة بقصد اجتياح “أملاك الدولة”، في حين تشدد المادة 311 عقوبة من يقدم على اجتياح كهذا في حال كان يحمل “سلاحاً ظاهراً أومخبأً”.

    هل تقاعست الدولة؟ لا أبداً! بل تعاملت مع الإشكال بحكمة وروية. فالأمور ليست بهذه البساطة ونحن أبناء ثقافة سياسية مشبعة بالازدواجية: إزدواجية خطاب مقترنة بإزدواجية سلطة. فيتعين على الادارة المركزية في هذا القطاع العام أو ذاك، ان تراعي توازنات دقيقة لئلا تستفحل أزمات مستعصية، يترتب بالنتيجة على الدولة وأجهزتها الاسراع إلى معالجتها بعد ان تكون أشعلت فتيلها سياسة استفزازية رعناء.

    استهجن البعض (وهم من دعاة دولة القانون) عمليّة إقفال ذاك الصرح العلمي! ليتهم استغربوا إعادة فتحه ومتابعة الدروس فيه قبل ان يتوصل الفرقاء المحليّون الأعضاء الدائمون في الـ loya girga أي مجلس القبائل (هكذا يدعى في بلاد الافغان) إلى التوافق على ميثاق عدم التعرض للمؤسسات التربوية! وذلك إلى حين، ليس إلا!

    لا يجوز الاستخفاف بواقع الحال المتأصل طالما هناك لكل شبر أرض أو مقام في لبنان مرجعيتاه المعلنة والضمنية. فعلى سلطة الدولة الصورية أن تتعايش مع سلطة الواقع المتمثلة بالقيادات المحلية، طالما أن الأخيرة على استعداد للمقارعة لاعادة عقارب الساعة إلى الوراء!

    هكذا يحافظ على المكاسب. يكون مكسب الدولة بالحفاظ على السلم الأهلي وعدم الانجرار الى البطش، بينما تتمثل مكاسب الجماعات المتضررة بالحفاظ على بعض الامتيازات الموروثة أو المنتزعة أخيراً. والدولة اللبنانية ليست دولة الحسم في المطلق بل دولة الاستثناءات الجغرافية والتاريخية ودولة التأجيل والتنازل والتسويف كما انها دولة “كلْ واشكرْ” على حد تعبير العميد ريمون اده. لذا هناك مساحات أو أقله مربعات من العمران الحضري أو الريفي، تشكل “مناطق منزوعة القانون” zone de non-droit. فلو عاد أنصار الدولة القادرة إلى مذكرات يوسف الحكيم (بيروت ولبنان في عهد بني عثمان، “دار النهار للنشر”)، لأيقنوا ان سوسيولوجيا السلطة في بلاد العشائر والعائلات والملل لم تتعدل منذ مطلع القرن الماضي. فليتهم يعترفون بأنه من الحكمة أن تعالج الأمور بشيء من الليونة، أكان الموضوع يخص مصحاً عقلياً أو مدرسة لتعميم الأبجدية على الناشئة أو أصول الفقه على الأحداث!

    فللدولة عندنا دور في تحقيق الوفاق بين المتخاصمين ومهمة في ضبط نفوس اللاعبين واسترضاء الخواطر وتبويس اللحى. إذ أن تطبيق النظام بشكل صارم قد يعتبر تجاوزاً لمبدأ التوازنات checks & balances الذي يحكم كل مستوى من مستويات التعامل السياسي، لئلا يكون مفعول الدواء أسوأ من انتشار الوباء.

    أليس من سابقة؟

    لا بل من سوابق! عندما عين المرحوم عدنان نادر قائمقاماً على الشوف بعد حوادث 1958، لم يتسنَّ له القيام بمهماته على الفور. لم ينتقل إلى مركزه إلا بعد أن اعطى كمال بك إشارة أن “لا مانع” بقوله حرفياً في احد مجالسه “ما اشبو شي هل قائمقام”. وتصديقاً لذلك ليتنا نتساءل هل دخلت القوى الأمنية الرسمية مؤخراً إلى ضاحية بيروت الجنوبية لفرض النظام العام بحده الأدنى إلا بالتراضي مع قوات الأمر الواقع؟

    أيضاً وأيضاً، هل ثارت النفوس عند إقفال البرلمان اللبناني بحجة عدم احترام الميثاق والطعن بالعرف المتبع؟ هل يجوز تعطيل النظام البرلماني بذريعة ما وعلى يد من كلفوا مهمة السهر عليه. لماذا لم تتحرك النيابة العامة مع مراعاة أحكام المادة 40 من الدستور المعطوفة على المادة 309 من قانون العقوبات المذكورة آنفاً، وذلك خارج دورتي انعقاد المجلس، طالما تحقق الجميع من حالة تلبس بالجريمة أي الجرم المشهود؟

    ألم يذهل العالم يوم اعتصم الرئيس الحريري بعد ان كفر بالسياسة وبأهلها، فجاء مقال على الإنترنت عنوانه: ماذا؟ رئيس وزراء لبنان يعلن الاضراب؟

    What? The Prime Minister of Lebanon on strike

    وغيرها وغيرها! حلقات من تاريخ سياسي حافل بالهرطقات. في الأمس القريب شكل اعتراض وتحفظ خمسة وزراء عن البيان الوزاري خرقاً فاضحاً لمفهوم التضامن الوزاري المعمول به. انما الخروج على القاعدة لا يمنع الحياة السياسية من متابعة المسيرة ولو كانت متعرجة. فهاجسنا البقاء والاستمرار survival ولو على حساب القواعد الدستورية. فالتوفيق بين الدولة والقبيلة، بين الجمهورية والعشيرة أفضل من اللجوء إلى حملات تأديبية أو محاكمات، سرية كانت أم علنية، أو توقيفات همايونية تليها إخلاءات سبيل من الصعب فك طلاسمها!

    شعار gözümüz yok

    يذكر ان معاوية وهو على فراش الموت أوصى لابنه يزيد في جملة ما أوصى، ما يلي: اما أهل العراق فإن طلبوا منك عزل عامل (حاكم) في كل يوم، فاعزله! فإن “عزل عامل في كل يوم أهون عليك من سل مئة ألف سيف”. أهي شعرة معاوية في جبل لبنان أم في بلاد ما بين النهرين، في دولة بني امية أم في الجمهورية الثانية؟! ما الفرق؟ ذلك ان ركنين أساسيين من صميم مفهوم الدولة الحديثة لا يزالان مفقودين: مساواة المواطنين أمام القانون والمحاسبة للجميع دون استثناء. وهذان الشرطان يستعصيان على التطبيق تطبيقاً جذريّاً في لبنان الأخضر. نعم في جنة الله على الأرض، “هناك أناس بسمنة وآخرون بزيت” كما “هنالك جماعات بسمنة وجماعات بزيت”، مما يؤدي حتماً إلى طقسين تحت سقف واحد. ومن ذا الذي يستهجن انعدام التوازن هذا في ربوعنا. فهل يعقل ان نعامل أهل الخاصة مثل أبناء العامة؟ أوليس أضمن للسلم الأهلي الهش أن يغض النظر عن تصرفات أهل “القدر والقيمة” باسم المصلحة العليا للدولة! فإيانا وتجاهل شعرة معاوية؟

    لبنان لا يتحمل منطق الحسم أو التصدي. لأن الدولة فيه مسبوقة وهي التي تغض النظر وتلتمس الحلول لحفظ ماء الوجه. سياستها التقهقر والتراجع. تتعاطى مع الأمور بالتي هي أحسن فتحتال على الأزمات عملاً بأحكام مبدأ gözümüz yok. وهي عبارة تركية تعني “لا عيون لنا” أي اننا لا نرى التجاوزات التي ترتكب ولا الإهانات التي تلحق بنا. فإن لم يلحظ أي خرق للقانون ينال من هيبة الدولة، يكن كل شيء على ما يرام ولا داعي للعمل من “الحبة قبة”. بمعنى آخر: عين لا ترى، قلب لا يوجع.

    نحن كعليل يخشى مراجعة الطبيب لئلا يتعرف إلى دائه. فيغض النظر عن الموضوع علّه يتعافى دون طبيب ودون عقاقير. هذا موضوع إلغاء الطائفية السياسية والأمر ملحّ دستورياً، وما زلنا نؤجل النظر في الموضوع. ومع الوقت تظهر مسألة جديدة تلف السابقة بالنسيان. فيخف وهجها بعد أن تكون محط الأنظار ومدعاة للقلق. ماذا تعني اليوم تلك الخلافات بين العروبيين والانعزاليين الكيانيين في الاربعينات والخمسينات؟ أفكار الوحدة الشاملة “عاجل عاجل”، ومطالب اليسار والتأميم والاصلاح الزراعي كلها طويت في الأدراج. هل من مواطن طرابلسي يريد اليوم إلحاق طرابلس الشام بالدولة السورية؟

    ألا يكون الزمن كفيلاً بحل كل المسائل؟ كلام صحيح أريد به باطل.

    انظروا إلى القضية الفلسطينية لو تصدينا لها بجدية عندما طرحت لما اندلعت حرب بعد عقود من التعتيم. سلاح المقاومة يحال إلى طاولة الحوار، في حين ان البرلمان هو الموقع المؤهل لمناقشة الموضوع.

    سؤال أخير! كيف نتعامل مع الدين العام الذي يتعاظم حجمه؟

    أنعصب أعيننا؟!

    يوسف معوض
    جريدة النهار
    31.12.2009


    …أو لا تكون


    الدولة، تكون أو لا تكون… تلك هي المسألة.

    تكون في الضاحية الجنوبيَّة، والضاحية الشمالية، والضاحية الغربيَّة، والضاحية الشرقيَّة، وبين بين، أو لا تكون.

    تكون في كل مكان وفي كل شبر، براً بحراً جواً، وفي كل التفاصيل الصغيرة والثانويّة، وفي كل شاردة وواردة، أو لا تكون.

    تكون اسماً على مسمّى، ووحدها، ولا يكون أحد سواها مكانها، أو شريكاً لها، أو منافساً، أو خارجاً عن سلطتها، أو لا تكون.

    تكون الدولة اللبنانية الباسطة سلطتها وقانونها ونظامها ووجودها من الناقورة الى النهر الكبير، ومن فقش الموج الى مرمى الثلج، أو لا تكون.

    تلك هي المسألة. وتلك هي المشكلة الكبرى التي لا يجوز تجاهلها، أو القفز فوقها، أو التغاضي عن الأمر الواقع الذي يقول ان ثمة دويلات ومخيمات، وثمة أراضي، وثمة أمكنة، محرَّم على الدولة اللبنانية دخولها، أو حتى الاقتراب منها.

    فكيف، إذاً، تكون هذه الدولة دولة وهي ممنوعة من تسيير دوريّة، أو ارسال محقق، أو تسطير مخالفة، أو اجراء كشف على حادث سقط خلاله ومن جرائه قتلى وجرحى، وفي ظروف، ولأسباب، لا تزال شبه مجهولة بمعظم أسبابها وعواملها حتى الآن؟

    والذين يعتبون على الدولة لأنها ترضى بالأمر الواقع وترضخ له، لم يصدٍّقوا بعد انها تقبل بهذا الوضع الشاذ ولو على مضض، وتوافق على أن توضع في البراد أو في مكان ما، في انتظار أن يُفرج عنها أو يؤذن لها بالخروج من قفصها.

    من زمان واللبنانيون ينتظرون غودو دولتهم، وينتظرون اقتناعها بأنها هي الدولة، وهي المؤسسات، وهي السلطة، وهي القانون، وهي الآمر الناهي، وهي صاحبة الكلمة التي لا تصير اثنتين.

    قيل الكثير من الكلام التبريري الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يقنع حتى الرضيع، والذي يتمنّى الحرصاء على الدولة ولبنان والنظام والصيغة والعيش المشترك لو انه لم يصدر لا عن هذا الوزير ولا من ذاك المرجع أو ذاك القاضي.

    فعدا كونه غير مقبول وغير مقنع، فانه مسيء الى قائله والى جوهر الدولة ووجودها ومعنى سلطانها، كما يثير الشفقة على دولة كهذه ومسؤولين كهؤلاء. أو حتى لا يثيرها.

    لكن هذه الوقائع المفترضة في معظمها، والمتناقضة في معظمها، والملتبسة في معظمها، يجب ألاّ تطغى على الموضوع الاساسي، والقضيّة الاساسيّة، والحادث – الرسالة، وما قد ينجم ويترتّب من اضرار خطيرة نتيجة الاستمرار في تقليد النعامة.

    قبل كشف الفاعلين والأسباب والدوافع والأهداف، لا بدَّ من اجراء كشف أولي وحسّي على “وجود” الدولة في أمكنة تُعتَبر من المحرّمات والممنوعات والمحميَّات…

    نعود فنؤكد: الدولة، تكون أو لا تكون، تلك هي المسألة.

    زيان
    جريدة النهار
    31.12.2009


    لبنان وبراكين المنطقة


    رغم كل الأحداث “المعبٍّرة” والمتنقّلة بين منطقة وأخرى، والعلامات الفارقة التي بدأت ترتسم حول بعض التصرفات والخطابات والتسريبات، هناك ما يشبه الاجماع محليّاً واقليميّاً على ان لا مشكلة سياسيَّة كبرى في لبنان.

    ولا أزمات معقدة ومتفجرة من عيار تلك التي كان لبنان يرزح تحت وطأتها لأشهر وسنين، والتي عطّلته وشلَّته عامداً متعمداً، وبتعاون وتنسيق بين أفرقاء من الداخل وجهات من الخارج.

    ولا مخاوف حقيقيَّة من افتعال توتُّرات جديدة، تستهدف من تحت لتحت التفاهمات والمصالحات السياسيَّة شبه الشاملة، كما تستهدف على الأخص تلك الزيارة التي شكلت حدث السنة والتي قام بها الرئيس سعد الحريري للرئيس السوري بشَّار الأسد.

    وحيث انطبعت في الأذهان تلك المشاهد المعبٍّرة وذات الدلالة والمضمون البعيد المدى، وتلك المحادثات الطويلة والمصارحات التي تناولت كل الملفات العالقة، وبما تحفل به من قضايا دقيقة وبالغة الحساسيَّة.

    لا شكَّ في ان المتضررين موجودون هنا وهناك وهنالك. في الداخل كما في الخارج. في القريب كما في البعيد. وقد فوجئوا حتماً بحجم الاهتمام السوري بالزائر اللبناني، وحجم ترحيب الرئيس الأسد بالرئيس الحريري، وحجم الاستعداد المتبادل للتعاون وبذل الجهود المشتركة لتنقية الأجواء وفتح صفحة جديدة.

    وكثيرون أو قليلون من هؤلاء ما زالوا حتى اللحظة يحاولون فك الرموز والألغاز، ويسعون الى تلمّس الأبعاد والانعكاسات التي سوف تترتب مستقبلاً على هذه الزيارة وهذا اللقاء.

    ومع ذلك، يؤكّد المعنيّون مباشرة أن الوضع الداخلي في لبنان قد غادر غرفة العناية الفائقة، ولا موجب لأية دعسة ناقصة تعيده الى سابق عهده، وحتى الى كرنتينا جورج شولتز.

    إنما، وسط هذا المخاض الاقليمي المتفجرّ، والذي بدأ يقذف بتطوراته في شتى الاتجاهات، وعلى غرار البراكين الثائرة حين تقذف بحممها، ينصح العقلاء اللبنانيّين عموما والافرقاء المنرفزين خصوصاً بالتروّي وطول البال.

    مع اسداء النصح بالالتفات صوب الأحداث المتّتالية والمتطورة في المدار الاقليمي، وعلى مدار الساعة. بدءاً بطهران التي تبدو كقدر كبير يغلي فوق نار حامية، وصولاً الى أطراف السند والهند وعربستان، مروراً باليمن السعيد وحوثيّيه، توقُّفاً عند المحطة الفلسطينيّة.

    ثمة رهانات متباينة ومتناقضة حول صمود “الساحة اللبنانية”، وقدرتها على استيعاب ما قد يُحال عليها من ذيولِ و”مهمّات” مستعجلة، والمحافظة على بقاء الشوارع والساحات والزواريب سالكة وآمنة. ومن غير أن تتأثرَّ كثيراً أو قليلاً بما تحفل به شوارع طهران وجبال صُعدة ووهاد صنعاء.

    لكن المخضرمين يجزمون أنه ما دام القاضي راضياً فيا جبل ما يهزّك ريح.

    زيان
    جريدة النهار
    30.12.2009


    Maître(s) ès discorde


    Elle semble décidément bien remise en question, cette réputation d’imperturbabilité du colosse hezbollahi… Comment comprendre sinon qu’une volonté d’invalidation de la déclaration ministérielle légitimant les armes « sacrées » par un parti politique puisse justifier des propos aussi hargneux que ceux tenus par le député Nawwaf Moussawi hier. Au-delà des « conseils » de Hassan Nasrallah ou de la nouvelle théogonie de Michel Aoun, qui restent dans le cadre du discours politique, c’est dans le venin savamment distillé qu’a une nouvelle fois excellé l’ancien membre du comité de dialogue islamo-chrétien (!!), en suivant une stratégie parfaitement sournoise et bien déterminée. Ainsi s’agit-il d’abord de maintenir les chrétiens dans la culpabilité de l’accord du 17 Mai et de la guerre de la Montagne, ce en quoi le régime syrien était passé maître. C’était (et cela reste) le moyen de coller immédiatement l’étiquette de « collaborateur » et de « traître » à toute voix osant rejeter le fait accompli, autrefois celui de l’occupation syrienne, aujourd’hui celui des armes miliciennes. Cela ressemble d’ailleurs fort malencontreusement aux techniques sionistes en Occident visant à maintenir jusqu’à présent les chrétiens dans la culpabilité des massacres de juifs sous l’Inquisition, pour les culpabiliser et les dissuader de condamner les massacres commis aujourd’hui par l’État hébreu dans les territoires palestiniens.

    Une fois l’index pointé sur ce traître de l’intérieur, qui doit être absolument désavoué, le député du Hezbollah peut passer au stade suivant : plaquer délibérément les chrétiens aux côtés d’Israël dans une nouvelle pseudocollaboration qui n’existe que dans ses propres pérégrinations fantasmatiques, « dans le cas d’une nouvelle invasion israélienne » qui équivaudrait à celle de 1982. C’est un cran de plus dans la stratégie visant non plus seulement à désavouer et paralyser les voix chrétiennes qui osent actuellement s’opposer aux armes de facto, mais tout bonnement à justifier une mise à mort, fût-elle morale ou même physique. C’est ce qu’on appelle du terrorisme intellectuel.

    Mais le pire reste dans le troisième stade du schème : celui qui vise à exciter les dissensions communautaires, et à raviver, dans le style et la forme du discours, les plaies de cette grosse absurdité sanglante qu’était la guerre de la Montagne, afin d’exciter les sentiments sectaires et de monter druzes contre chrétiens. C’est le stade de l’isolement qui précède celui de la mise à mort, celui de la désagrégation du milieu social et communautaire qui doit ouvrir la voie à la violence.

    La provocation est peut-être le seul mode de communication prisé par le député Moussawi, et ce en dépit de tous ses effets maléfiques. Mais il reste que son fiel n’est en rien impressionnant. Oui les chrétiens ont collaboré avec Israël, oui ils en ont tiré les leçons, oui ils ont fait un mea culpa d’une quinzaine d’années. Sauf qu’ils n’ont pas été les seuls à le faire : plusieurs factions et individus d’autres communautés, notamment chiite, l’ont fait aussi. L’apanage du collaborationnisme et de la collaboration ne revient à aucune communauté, mais à des groupes d’individus. Ensuite, la guerre est finie depuis bientôt 20 ans : n’est-il pas temps que le Hezbollah lui aussi en sorte, qu’il puisse cesser, ainsi que ses alliés chrétiens, de prendre un plaisir assassin à réveiller les démons du passé, d’où personne ne peut sortir indemne en définitive, pas même Nawwaf Moussawi lui-même ? Pourquoi M. Moussawi refusait catégoriquement à Samir Frangié, lors de leur débat sur les ondes de la MTV, il y a quelques semaines, toute allusion à l’expédition punitive et sanglante de mai 2008 à Beyrouth et dans la Montagne, accusant ce dernier de « vouloir semer la zizanie »… alors qu’il se permet largement de prendre ses aises pour déverser sa haine sectaire et tenter vainement de défaire la réconciliation de la Montagne entre le patriarche maronite et Walid Joumblatt ?

    Quant au syndrome israélien, il est bon enfin de rappeler au député du Hezbollah que, jusqu’à présent, sur le plan politique, les effets de la guerre israélienne de juillet 2006 ont servi au parti de Dieu, « victoire divine » oblige : le 14 Mars et l’État ont été affaiblis, et le régime syrien a repris du poil de la bête. Ce qui s’inscrit parfaitement dans la logique régionale d’Israël : renforcer l’axe chiite pour provoquer un équilibre avec la majorité sunnite dans le monde arabe, aviver le conflit intermusulman et mettre ainsi le Moyen-Orient à feu et à sang. Un jeu sordide dans lequel le Hezbollah s’inscrit parfaitement, comme l’ont prouvé, encore une fois, les événements de mai 2008. Une nouvelle guerre israélienne contre le Liban ne servirait, dans ce cadre, ni le 14 Mars (et surtout pas les chrétiens parmi eux) ni la logique de l’État, qui en ressortiraient encore plus affaiblis, mais ne pourrait rendre service qu’au régime syrien… et au Hezbollah, qui, sur les ruines de la République (et du Liban-Sud), et en coordination avec la folie destructrice d’Israël, assoira avec encore plus de fermeté son pouvoir sur le pays du Cèdre…

    Michel HAJJI GEORGIOU
    L’Orient-Le Jour
    30.12.2009


    عام جديد للبؤس العربي


    يحلّ العام 2010 علينا، مذكّراً إيانا بأن أحوالنا في هذه المنطقة من العالم مرشّحة للاستمرار على بؤسٍ لـ365 يوماً إضافياً، على الأقل…

    – فالإستبداد ما زال ينكّل بالعديد من البلدان العربية، واعتقالات الناشطين الحقوقيين والصحافيين والمعارضين مستمرّة فيها، تماماً كما العمل بأحكام “الطوارئ” أو ما يشابهها من منظومات تمنع التعدّد السياسي وتنتهك الحريات الأساسية في التجمّع والتعبير عن الرأي.

    – والظلاميّة بتيّاراتها المختلفة ما زالت تجهد في أكثر من موضع لتحويل حياة الناس الى كدر وموات وحفر في ماض سحيق، وبحث عن مشروعيّات تُلغي مشروعيّة العقل والعلم وتمنع التفكير في مشاكل الحاضر وتحدّيات المستقبل.

    – والاحتكام الى العنف والعودة الى ما قبل “الدولة” صارا تهديداً دائماً لفكرة التعاقد الاجتماعي، تعاني منه بلدان لم يعد الفارق بين حكوماتها وقبائل مجتمعاتها أو عشائرها إلا فارقاً صُورياً ولفظياً. كما أن الحروب الأهلية باتت عنصراً يقصّر المسافات الجغرافية بين المدن والمناطق المنكوبة جاعلاً القتل والظلم والإرهاب قواسم مشتركة في حياة أبنائها (بمعزل عن الأسباب والتجلّيات والنتائج المتباينة).

    – وانتفاء قيم العمل والانتاج، والاستسلام الى النظم الاقتصادية الريعية المعطوفة على تكاثر سكاني وعلى علاقة ضعيفة بين الجامعات والمعاهد وأسواق العمل تواصل إنتاج البطالة والتعطّل وفقدان الأمل بالقدرة على تحسين الأوضاع التنموية والمعيشية.

    – وتهميش المرأة بحكم التشريعات والممارسات المُبعِدة إياها عن حقوق المواطنة وعن دوائر القرار يرسّخ ثقافة تسلّطية داخل العائلة والمؤسسات العامة والخاصة، مُفاقماً الأزمات المجتمعية ومؤسّساً للمزيد منها في المستقبل القريب.

    – والنكبة في فلسطين تكبُر عاماً جديداً مع استمرار ازدواجية المعايير الدولية (الأميركية والغربية بخاصة) وتجاهل قرارات الأمم المتّحدة، ومع جنوح القيادة الإسرائيلية (مدعومة بالتبدّلات الديموغرافية والايديولوجية داخل المجتمع الاسرائيلي) الى تكثيف الاستيطان وقضم الأراضي ومصادرة الأملاك في القدس والضفة الغربية، ومع بقاء الفلسطينيين على انقسامهم وعلى غياب مشروعهم الوطني الجامع وارتماء جزء منهم في أحضان أنظمة تزايد عليهم بدمهم.

    أما في لبنان، الذي ظلّ على مدى عقود أحد الاستثناءات العربية القليلة، فالمراوحة تبدو عنواناً رئيسياً للأيام المقبلة، وانتظار رياح المنطقة إن عصفت أو خمدت يظهر كناظم أول لحياة سياسية استكانت لعصبيّات طائفية ينخرط فيها أكثر الأطراف، ولو أن واحداً منها ينفرد بعسكرتها فيُنتج فائض قوّة ينوء تحت ثقله وخطره البلد بأكمله.

    هل من ضوء يمكن أن ينبعث بعد هذا التقديم؟

    ربما؛ على أن انبعاثه من زوايا ثقافية وتجارب مواطنية ومبادرات سياسية وشبكات غير حكومية موجودة وتجهد للتغيير هنا وهناك، أو انبثاقه من تحسّن عام للرعاية الصحية في المنطقة ومن تقليص انتشار الأمّية فيها (ولو أن ثلث العرب ما زالوا أمّيين)، يبقى خافتاً. وهو في أي حال غير كاف لمجابهة العتمة والتهتّك المنتشرَين “من المحيط الى الخليج”…

    زياد ماجد
    NOW Lebanon
    29.12.2009


    التطرف البيئي يعود إلى الواجهة كمدخل شبه وحيد لإيجاد البدائل والحلول


    مع ان قمة كوبنهاغ كانت مجرد اجتماع الرقم 15 للدول الاطراف الموقعة على الاتفاقية الاطارية لتغير المناخ التي وضعت العام 1992، الا اننا يمكن ان نعتبره بمثابة محطة تاريخية مهمة، تبلورت عندها خيارات عالمية أكثر وضوحا.

    في هذه المحطة من المفاوضات ظهر بشكل واضح وفاضح مدى تراجع أدوار ومهام الامم المتحدة وبرامجها. كما ظهر مدى استئثار الدول الكبرى في العالم ومصيره، ولا سيما الدول الصناعية الكبرى. وخضوع رؤساء الدول لسلطة القوى الاقتصادية الكبرى، وكيف خرج مصير هذا الكوكب عن السيطرة.

    كما تبين ان اقتصاد السوق هو النظام الاقتصادي المسيطر على العالم. هذا النظام الذي صنعته قوى مالية واقتصادية كبرى ومجموعات مصالح متقاطعة ومتشابكة ومتنافسة عابرة للحدود… هو الذي يسيطر على خيارات الدول دون منازع، ولا شيء يمكن ان يغير في اتجاهاته، الا اذا حصلت كوارث كبرى، ان على المستويات المالية والاقتصادية، او على مستوى الكوارث الطبيعية او المناخية او البيئية.

    كما أظهرت نتائج مؤتمر كوبنهاغن مرة جديدة، ان العالم لا يزال محكوما بأنظمة صنعها وأغلقها بنفسه ولم يعد يستطيع الخروج منها.

    في الحقيقة كل القوى كانت في مواقعها في كوبنهاغن. ممثلو الدول يدافعون عن القوى الاقتصادية الكبرى في بلادهم، هذه القوى التي تدعم بشكل او بآخر الاقتصاد الوطني للدول. الشركات التي تبحث عن اسواق جديدة. الخبراء الذين يتبادلون المعلومات ويبحثون عن التزامات لدراسات جديدة. الاعلام الباحث عن الخبر والمعلومات والتقارير والتصاريح وسير المباحثات. والمنظمات غير الحكومية التي يفترض ان تكون ممثلة لمصالح الشعوب، والتي يفترض ان تشكل القطاع الثالث بين القطاعين الرسمي والخاص. الا ان هذه الاخيرة كانت منقسمة بين مجموعات «متطرفة»، بقيت في معظمها في الخارج، كونها لا تقتنع بأن من يجتمع في الداخل يمكن ان يجد الحلول لمشكلة تغير المناخ، ولاعتقادها بأن القضية مرتبطة بالانظمة الاقتصادية والسياسية التي يفترض تغييرها… وتلك التي دخلت وسجلت وشاركت في الاعمال لاعتقادها بأنها تستطيع ان تشكل قوة ضغط على المتفاوضين لاقرار اتفاق ملزم، ولاعتقادها بأن المسألة هي مجرد ارقام والتزامات بين المتفاوضين.

    وسرعان ما بينت نتائج المفاوضات، ان من كان في الخارج قد اصاب في تشخيصه، بينما من دخل شعر بالخيبة والإحباط.

    ولكن ماذا بعد؟ وماذا ينفع ان تنجح التوقعات اذا كانت النتيجة كارثية؟

    بعد كل ما حصل، وإذا صدقت توقعات آلاف الخبراء في العالم حول مصير الكوكب اذا استمرت حرارة الارض في الارتفاع وتغيرالمناخ أكثر فأكثر، ما الذي يمكن فعله ما بعد كوبنهاغن؟

    لم يعد تطرف المتطرفين مستغربا، لا بل اصبح واجبا.

    فضمن قاعدة لا يدرك الشبيه الا الشبيه، لا يمكن مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة التي ستنجم عن تغير المناخ، الا بحلول متطرفة. كما لا يمكن فرض حلول متطرفة على العالم الا مع مطالب متطرفة. ولا يمكن ان يحمل مطالب متطرفة الا قوى متطرفة.

    والحالة هذه، لا بد من برنامج جديد وموحد تحمله قوى جديدة تكون من طبيعة المشكلة.

    فإذا كانت هذه المشكلة في طبيعتها عالمية، لا بد للقوى المتصدية لها ان تكون عالمية ايضا. واذا بدا عجز الحكومات عبر ممثليهم والشركات ومصالحها عن ايجاد الحلول، وبعد ان بان عجز الامم المتحدة التي تبلغت قرارات بعض قادة العالم واخذت علما بإخفاق الدول الكبرى عن التوصل الى اتفاق … فلا بد للمجتمع المدني العالمي ان يشكل القوة الثالثة المنقذة. ولم يبق من خيار امام هذه القوة الا التطرف، بمعنى المطالبة بإصلاحات جذرية في الانظمة الاقتصادية المسيطرة وإعادة الاعتبار لدور الدول بوصفها مؤتمنة على ديمومة الموارد وسلامة الكوكب ومناخه وبيئته، ولدور الامم المتحدة بوصفها الاطار المنظم لكل ما يتخطى حدود الدول وسيطرتها ومصالحها.

    والتطرف هنا لا يعني رفض أية تسوية. فلا بد من تسوية في النهاية. انما التسوية المطلوبة هي بين التطرف الشعبي والتطرف السلطوي المالي والاقتصادي. اما التسوية التي كانت مطلوبة في المفاوضات، والتي حصلت، فهي تسوية مصالح متشابهة، يحافظ فيها كل طرف على مصالحه. وهي بالتالي تسوية غير منقذة للكوكب، كون هذه المصالح هي المتسببة في المشكلة.

    منذ 17 عاما والعالم يتابع وينتظر بعد مئات الجولات من المفاوضات للوصول الى ما يسمى «الرؤية المشتركة» بين ممثلي الدول المتفاوضة والتي تحتاجها قضية تغير المناخ. الا ان هذه الرؤية لم تتبلور يوما ولا سيما بين البلدان النامية التي تحمل البلدان المتقدمة «المسؤولية التاريخية» لتراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي والتسبب بالظاهرة من جراء مشاريع التنمية والتصنيع والتقدم والعيش برفاهية، وبين البلدان المتقدمة التي اعترفت بالمشكلة ولا تريد ان تتراجع عن مكتسبات حضارتها، ولا تقترح للخروج من المشكلة سوى الدعوة الى «التخفيف» من الانبعاثات و«التكيف» مع المشكلة «التبرع» ببعض المال (تحت عنوان «التمويل») الذي لا يؤثر على المكتسبات والارباح والمسار التاريخي للاقتصاد… في حين يعلم الخبراء المحايدون ان القضية باتت تتطلب ما هو اكثر من ذلك بكثير، اي التغيير الجذري في بنية الانظمة وثورة في المفاهيم والقيم واتخاذ اجراءات متطرفة شبيهة بالظواهر المتطرفة لتغير المناخ المنتظرة.

    ففي ظل اقتصاد السوق المسيطر، لا يمكن الحديث عن «نقل التكنولوجيا» التي تعتبر ركنا من اركان المطالب والمفاوضات. فمسألة نقل التكنولوجيا، كما شقيقاتها من محاور المفاوضات المناخية كالتخفيف والتكيف والتمويل، كذبة كبيرة، وقد تحولت الى «كذبة تاريخية» لكثرة ما تم التداول بها والمراهنة عليها لانقاذ الكوكب. فكيف يمكن المراهنة على «تكنولوجيا بيئية» وتعميمها على سكان الكوكب في ظل اقتصاد السوق القائم على المنافسة، وضمن قواعد منظمة التجارة العالمية وقوانين حماية الملكية الفكرية؟

    بينت الجولة الاخيرة من المفاوضات في كوبنهاغن، استحالة المطالبة بفصل التكنولوجيا البيئية عن العلم والتكنولوجيا عامة، التي باتت معظم اسرارها عند القطاع الخاص الذي يبتغي الربح، وقد وظف بعضا من أرباحه في الابحاث لتطويرها ولفتح اسواق جديدة، ولا يمكنه ان يقدمها مجانا الآن من اجل «عيون الكوكب» تحت عنوان مبهم «الانقاذ». لا بل يذهب البعض الى القول باستحالة فصل التكنولوجيا البيئية عن التكنولوجيا عامة، كون منجزات العلم والتكنولوجيا باتت مرتبطة مع بعضها البعض وتستفيد من بعضها البعض. فصناعة المراوح الهوائية لتوليد الطاقة وتكنولوجيتها مرتبطة بنظم التحكم والتوازن المستخدمة ايضا في صناعة الطائرات والكمبيوترات. فكشف اسرار التكنولوجيا التي تعتبر بيئية وبسيطة، يمكن ان تكشف اسرار تكنولوجيات اكثر تعقيدا يستحيل ان يتخلى عنها «مالكها»… وهكذا يستحيل ايضا الاستمرار في مطلب «نقل التكولوجيا» من قبل الدول النامية، والمطالبة بـ«الفصل»، هذا المطلب الذي بدا في البداية تسوويا في طبيعته!

    امام هذه المعطيات، لا بد من اعادة جمع الصفوف، واعادة توحيد القوى الممثلة للشعوب في العالم، ولكن تحت شعارات اكثر جذرية لناحية المطالبة بتغيير الانظمة (الفكرية والمادية) المسيطرة وعدم الاكتفاء بمطالبة الدول بالالتزام بأرقام محددة للتخفيف وضمن تواريخ محددة… بعد ان ثبت ان المتطرفين كانوا على حق منذ البداية. لا بد من اعادة تسييس البرامج والمطالب، نحو «بروتوكول للشعوب» اكثر تقدما من «بروتوكول كيوتو» الذي مات ودفن في كوبنهاغن، بعدما شارك من معه ومن ضده بجنازته.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    29.12.2009


    الطريق إلى جمهورية الصمت


    لا ينقص لبنان ليتشبّه بدول الرأي الواحد سوى إقرار هدنة سياسية إعلامية. عندها يكتمل المشهد: حكومة تضم ربع مجلس النواب تقريباً، وتتمثل فيها كل الكتل النيابية بمنطق 8 و14 آذار، يظللها ترهيب بارتدادات لا ديموقراطية لأي رأي يناقض رؤية أهل السلاح، وحملات غسل دماغ بمفردات تحرّف الواقع وتربط مصير البلد باستراتيجيات إقليمية تعادي عروبة المحيط ومصالحه، وأخيراً تتويج كل ذلك بكم الأفواه تحت عنوان الهدنة لسنة.

    لكن الدعوة في ذاتها تشكيك في جدوى الوفاق الراهن من جهة، وإشارة إلى رفض قبول الرأي المناقض من جهة أخرى: ما يريد اللبنانيون فهمه من الوفاق على حكومة الاتحاد الوطني هو أن الجميع سلّم بأن سقف أي خلاف في الرؤية أو صراع في السياسة هو تسليم الجميع بالقانون من ناحية، واعتمادهم الحوار للوصول إلى رأي مشترك من ناحية أخرى. والأمران يعززان حرية الرأي التي يُدمنها اللبنانيون، سواء أصابوا أو أخطأوا في ما يعبّرون عنه.

    أخطر ما في الدعوة إلى هدنة السنة، أنها ببساطة تقترح منع الاطلاع والكلام، في حين أن ما يدفع إلى هذا الكلام لن يتم التراجع عنه، وهو ليس حل مشكلة الكهرباء، أو المياه، ولا الاصلاح الإداري، ولا حتى أزمة السير التي تمسّ يومياً كل لبناني. هو بالطبع قضية سلاح “حزب الله” التي لم تلقَ إجماعاً لبنانياً، برغم تكرار زعم ذلك. فما يلقى إجماعاً هو مقاومة العدو الإسرائيلي وليس فئوية السلاح نفسه. والحال، أن الحزب لا يريد التراجع عن منطقه، ولا تريد الأكثرية التسليم بهذا المنطق. وهذه تصرّ على نقاش أمره في إطار الاستراتيجية الدفاعية، على طاولة الحوار، فيما هو يحاول التملّص بالإيحاء أن في ذلك خضوعاً لاسرائيل وتفوقها.

    وكيف تستوي الهدنة ومصلحة البلاد، إذا كان الداعي لها لم يتحمل لجوء حزب الكتائب إلى الديموقراطية للطعن بالبند السادس من البيان الوزاري، بمراجعة القضاء، إذ رد بالإتهام بالاستفزاز، ولوّح بمصير مسيحيي العراق، الذين “لم يُقدم لهم 150 ألف جندي أميركي الحماية” (؟!).

    “في السابق كانوا يهاجمون سوريا ويهاجمون المقاومة واليوم لا يستطيعون” يقولها الأمين العام لـ”حزب الله” قبل أن يستطرد: “الحمد لله دخلنا في مرحلة جديدة من العلاقات. شيء صعب أن يهاجموا المعارضة ككل. لأن وزراء المعارضة والموالاة موجودون في حكومة واحدة. إذاً، بقي لهم المقاومة وسلاح المقاومة”.

    بعد حكومة الاتحاد الوطني لـ”حماية المقاومة” تأتي “الهدنة الوطنية” إذاً من أجل الهدف نفسه. وكما اتهم مناقشو تركيبة الحكومة (مجرد نقاش) بالخيانة، سيتهم رافضو منطق الهدنة بها.

    لعل الهدنة المقترحة كانت مفيدة لأهلها لو أنها بدأت يوم السبت. إذ كان انفجار مرأب “حماس” في الضاحية مرّ في الاعلام بوصفه إنفجار قارورة غاز، ولكان عدم السماح للقوى الأمنية بالاقتراب، والحؤول دون وصول المحقق العسكري إلى مسرح الجريمة، خبراً لم نكن لنكتشفه إلا على صفحات الانترنت على طريقة الأسرار والفضائح أو عبر وسائل إعلام دولية. عندها كان من سيعرف سيتهم بالخيانة والعمالة.

    عند الهدنة، تقف الوقائع العامة عند ما عُرِفَ منها لحظة الاتفاق عليها. هذا ما سيوهَم به الرأي العام. أما ما سيجري تحت مظلتها فسيكون ممنوعاً نقاشه، وان يفعل أحد ذلك، يكون مشبوهاً وعميلاً وخائناً.

    لو تم “تجميد” النقاش الداخلي بقوة الهدنة المقترحة، يكون المشهد السياسي كالآتي: وقف “إطلاق” كل كلام على سلاح “حزب الله”، وطي طاولة الحوار دونه. يصير تناوله خيانة إن خرج عن أدبيات أهله: يبقى السلاح ما دامت إسرائيل موجودة، ولا تعود هويته أمراً للنقاش، ولا دوره. له الدفاع عن الوطن وللجيش أمن المواطن، كما قالت وثيقة “حزب الله”.

    الطريق إلى جمهورية الصمت تبدأ بهدنة.

    راشد فايد
    جريدة النهار
    29.12.2009


    يا للبراعة


    الاكتشاف العظيم الذي توصل اليه بعض المسؤولين والسياسيين في هذا البلد السعيد، هو ان الانفجار الذي حصل مساء السبت في الضاحية الجنوبية، كان “عملاً تخريبياً” فيا للبراعة! وانه يهدد الاستقرار والامن في البلاد، وان الاصابع او البصمات او الايدي الاسرائيلية الخبيثة هي التي تقف وراءه… ويا لليقظة!

    امام هذا النوع من الكلام الخشبي المتكرر دائماً، وقد صدر مرة اخرى عن بعض المسؤولين والسياسيين، ليس على المواطن، الا ان يترحّم فعلاً على الاوضاع “السارحة والرب راعيها” كما يُقال، مع ان هناك شكوكاً فعلية ان يكون لدى الرب سبحانه وتعالى وقت لرعاية الغافلين عن بلدهم ومستقبلهم.

    ❑ ❑ ❑

    كل الكلام الذي سمعه الناس او قرأوه يقول ان الانفجار “عمل تخريبي”، ولكأنه يمكن ان يكون عملاً بنّاءً أو خلاّقاً مثل افكار بعض السياسيين وعقولهم المستنيرة مثلاً.

    وإضافة الى هذا الاكتشاف العظيم لم يقصّر السياسيون في استحضار عدة الوعظ وتفصيل النظريات وإسداء النصائح، وخصوصاً في مجال شحذ همة الأجهزة الأمنية وحضّها على السهر والتنبّه، ودعوتها الى تفعيل عملها في مراقبة شبكات التجسس. ولكأن هذه الأجهزة في حاجة أصلاً الى مثل هذه النصائح، وهي أي الأجهزة، التي سبق لها أن اكتشفت عشرات الشبكات المعششة حتى في داخل المربعات الأمنية المقفلة، وحيث لا يجرؤ أحد على الدخول، ولم تطلب منّة أو شكوراً كما يقال، رغم انها كانت عرضة لمظالم الحملات والادعاءات التي استهدفتها، وخصوصاً منها “فرع المعلومات” الذي كسر الرقم القياسي في اكتشاف الشبكات، بعدما كان قد حطّم الرقم القياسي في التعرّض للتجنيات!

    لكن القصة في جوهرها وعمقها ليست قصة نباهة المسؤولين واكتشافهم المدهش. القصة في عمقها الذي يستحق التأمّل، لا بل يستحق التفجّع، ان هؤلاء المسؤولين لم يكتشفوا كم ان الدولة مُهانة مثلاً وكم ان السلطة منتهكة، وكم ان الهيبة الوطنية مشرشحة، حيث اكتشف اللبنانيون مرة جديدة أيضاً، أن القوى المسؤولة عن الأمن ممنوعة من دخول المنطقة التي حصل فيها الانفجار.

    ❑ ❑ ❑

    كذلك ان المراجع الأمنية ليست على دراية ربما، بأن حركة “حماس” وكذلك “الجهاد الاسلامي” لهما مراكز ناشطة خارج المخيمات الفلسطينية، وان لبنان الذي كان مشاعاً مفتوحاً لـ”النضال” و”الكفاح المسلّح”، لكل من ظنّ انه يحرر فلسطين عبر عيون السيمان وجونيه، وهو ما أدى عملياً كما هو معروف الى ضياع لبنان زمناً وعدم استرجاع فلسطين، هذا اللبنان يبقى الآن في بعض جزره الأمنية المغلقة في وجه الدولة، مشاعاً مفتوحاً ليس مسموحاً للدولة فيه، أكثر من ذرف الدموع وإصدار البيانات المضحكة – المبكية، بعد الانفجارات وهذا ليس أولها، أو الاكتشافات التي تستدعي الخجل عندما يقولون ان ما جرى عمل تخريبي، بينما المطلوب منهم جميعاً ومن دون استثناء الامساك بالبلاد كلها ومنع قيام أي عمل من هذا النوع.

    ❑ ❑ ❑

    وحده الوزير طارق متري وبكثير من التهذيب الأرثوذكسي، قال ان القوى الأمنية لم تتمكن من القيام بالحد الادنى من واجبها اثر الانفجار في الضاحية الجنوبية. ولماذا لم تتمكن؟

    لأن “حزب الله” منع القوى الأمنية بداية من الدخول، رغم أن الأمن كما يقول متري “كل لا يتجزأ ولا يمكن فصل مهمة أمنية عن اخرى”. وان على “حزب الله” أن يثبت الاقوال بالأفعال، حين يقول انه يريد ان تقوم الدولة بواجبها وان ما من منطقة مغلقة في وجهها!

    ملخص القول، ليس المطلوب من المسؤولين اصدار بيانات مفعمة بـ “اللامعنى” سواء عندما يقال ان الانفجار عمل تخريبي، وهو ليس بالتأكيد عملاً بنّاءً، أو عندما تُدعى الأجهزة الامنية الى تكثيف عملها ومضاعفة نشاطها في اكتشاف شبكات التجسس وفي التحقيق في ملابسات الانفجار، في حين ان المطلوب من الدولة ان تكون دولة.

    ويا أيها السادة، لا دولة في غياب المعادلة البسيطة التي تقول: لا معنى للمسؤولية في غياب الصلاحية.

    راجح الخوري
    جريدة النهار
    29.12.2009


    مشاهدات من كوبنهاغن
    مؤتمر الفوضى وخيبات الأمل


    لم يكن إختيار صحيفة “لوموند” الفرنسية للرئيس البرازيلي لولا داسيلفا كشخصية العام 2009 مفاجئاً لمن تابع أعمال مؤتمر كوبنهاغن المخصص للبحث بالتغييرات المناخية والذي عقد ما بين السابع والثامن عشر من شهر كانون الاول الجاري. فقد حظي الرئيس البرازيلي بنجومية لافتة أثناء القائه خطابه الذي قوطع مرات عدة بالتصفيق وإستحوذ على إهتمام إعلامي واسع لا سيما من الصحافة الغربية التي أشادت بكلمته رغم وجوده من بين 193 دولة حضر منها 119 رئيساً ورئيس حكومة يمثلون العالم.

    دا سيلفا الذي جاء الى العاصمة الدانمركية حاملا هاجس المناخ وملف قطع اشجار الامازون بدا خطابه على مستوى الحدث مقدماً نموذجاً من العمل والخطوات التي تقوم بها البرازيل في سبيل تعزيز الطاقة البديلة ومبدياً إستعداده للمزيد من التضحيات رغم الكلفة المرتفعة بالنسبة للفاتورة البرازيلية التي تعاني من الفقر، وهنا كانت الكلمة الابلغ عندما قال متوجهاً للدول الغنية والصناعية: “ربما وجبات الطعام الثلاث يومياً أصبحت من الماضي بالنسبة لكم لكنها هدف للمستقبل بالنسبة لنا” في إشارة الى الفقر.

    كان من المقرر ان أن يكون مؤتمر كوبنهاغن تاريخياً في نتائجه وأن يؤسس لمرحلة الخمسين عاماً المقبلة خاصة بعد إنتهاء مفاعيل إتفاق كيوتو في 2012 الذي لم توقع عليه الولايات المتحدة، في ظل المخاطر التي تعكسها التغييرات المناخية وتأثير التلوث الذي تحدثه الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، وهو ما أكده الرؤساء المشاركون في كلماتهم التي أشارت الى المخاطر الكبيرة المحدقة بالعالم في حال لم يتم التوصل الى إتفاق على خفض الانبعاثات الحرارية وعلى إجراءات تحد من التلوث المناخي والبيئي، وهو لذلك حمل شعار الامل (Hopenhagen) الذي تحول في ختام المؤتمر الى الانكسار(Brokenhagen).

    هذا في الكلام الاعلامي أما في الوقائع فإن الانقسام العالمي كان أكبر من أن يعالج باجتماع دولي دون الاتفاق مسبقاً، فبدا وكأن الولايات المتحدة والصين وهما الدولتان الاكثر تلويثاً في العالم (نسبة 41%) متفقتان على عدم الالتزام بأي تعهدات كل من موقعه في بلده.

    فالرئيس الاميركي باراك أوباما الذي إنتظرته الصحافة وكأنه سيحمل مشروعاً بيئياً يضيفه الى مشروعه الصحي في الولايات المتحدة فاجأ الجميع بخطابه الباهت الذي لم يحمل جديداً سوى الطلب من الآخرين الالتزام دون تحديد أي أرقام للمساعدات التي يمكن أن يلتزم بها، فظهر كمن يطلق النار على المؤتمر كما وصفه أحد الصحافيين الفرنسيين. كما ان أوباما لا يستطيع الالتزام بأي تعهد دون العودة الى الكونغرس الذي يعارض دفع الاموال والالتزام بتغييرات ضمن فترة زمنية محددة نحو الطاقة البديلة.

    أما الصين ثاني ملوث في العالم فهي لن تلتزم بأي إجراء يمكن ان يحد من نموها معتبرة ان الدول الصناعية الكبرى كان لديها الوقت الكافي لتحقيق إنجازات وهي بدأت في السنوات العشر الاخيرة نموها الفعلي وتالياً لن توقفه الآن وتحتاج الى المزيد من الوقت، كما أن لديها أكثر من 150 مليون صيني يعيشون تحت خط الفقر، وهذا الموقف مشابه لموقف الهند التي لديها أكثر من 300 مليون يعيشون تحت خط الفقر وهي ترفض تقديم أي تضحية تؤثر على نموها الاقتصادي.

    أما الموقف الأوروبي الذي حمل أفكاراً طموحة عبّر عنها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من خلال استعداده للالتزام بخفض الانبعاثات إلى 30% حتى 2020 مع التزام أوروبي بدفع 10 مليار دولار لمدة ثلاث سنوات فإنه أصيب بخيبة أمل كبرى من خلال إبعاده عن صوغ البيان الختامي فجاء موقفه المعترض والمندد مع زملائه الاوروبيين من المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل الى رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون والتحذير من ان الوضع سيؤدي الى كارثة إذا لم يتم معالجته.

    في المقابل فإن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الغائب الحاضر والغير موافق على المشروع برمته يعتبر نفسه خارج الاتفاق وكان حضوره شكلياً فقط وهو كان أول المغادرين قبيل التوصل الى إتفاق كما ان الاعلام الروسي لم يكن مهتماً بالمؤتمر سوى بتغطية لقاءات ميدفيديف مع المسؤولين.

    كما تحول دور الامم المتحدة، وهي الراعي لهذا المؤتمر الى التحذير والتنبيه من المخاطر وإقترح أمينها العام بان كي مون تأجيل القرارات الاساسية وهي التزام الدول على المدى الطويل الى المؤتمر المقبل في المكسيك في 2010.

    ومن الدول التي علا صوتها في كوبنهاغن دون نتيجة المجموعة الافريقية وهي الاكثر تضرراً من إرتفاع درجة حرارة الارض وكانت تأمل بالحصول على مساعدات فاكتفت ببعض الوعود الاوروبية لاتفاقيات ثنائية قد يتم التوقيع عليها لاحقاً.

    وفي أروقة مركز “البيلا سنتر” حيث عقد المؤتمر لا يمكن ان تمر دون ان تلاحظ رؤساء وزعماء الجزر الذين جاؤوا حاملين هاجس الغرق نتيجة إرتفاع مستوى المياه مع إرتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد، وهم يعتصمون ويعقدون المؤتمرات الصحافية للحديث عن الخطر الذي يهدد 300 مليون إنسان يعيشون في 43 جزيرة مهددة بالزوال.

    على مدى 12 يوماً عقد مؤتمر كوبنهاغن بمشاركة 45 ألف شخص بين رؤساء ووفود ومنظمات دولية غير حكومية وناشطين بيئيين وصحافيين وبكلفة عشرات ملايين الدولارات وبنسبة عالية من التلوث نتيجة إستخدام الطائرات الخاصة التي أقلتهم والسيارات التي إستعملت خلال التنقلات، وبإدارة أجمع الاعلام على إعتبارها من أسوأ الادارات للمؤتمرات نتيجة الفوضى التي رافقت الحصول على بطاقات الدخول الى المؤتمر وعملية تنظيم الاعداد المسموح لهم بالدخول.إنتهى المؤتمر الى بيان سياسي غير ملزم إتفق فيه على عدم السماح بتجاوز إرتفاع درجات حرارة الارض الدرجتين المئويتين من دون تحديد خفض الانبعاثات وتم تأجيل معظم الملفات الى ستة أشهر في بون مع الاجتماع التحضيري أو الى المكسيك في العام 2010.

    2800 مليار دولار وضعت لانقاذ المصارف العالمية من أزمتها المالية العالمية إلا ان رؤساء العالم لم يستطيعوا تأمين مئة مليار دولار لانقاذ الوجود البشري على الارض نتيجة التغييرات المناخية. لقد علق أحد الرؤساء المشاركين على فشل المؤتمر بالقول “لو كانت قمة المناخ مصرفاً أميركياً لتم إنقاذها بسرعة”.

    نجاة شرف الدين
    جريدة النهار
    29.12.2009