ماذا سيكون الموقف، لو اكتشفنا يوما ما، ان كل الصراعات والحروب ومآسيها، كان يمكن تفاديها، وانها ناجمة بالاصل عن سوء فهم وتفاهم بين المتصارعين اكثر من اي شيء آخر. صحيح ان في عمق الصراعات قضية الخلاف على الحقيقة والحقوق، وان هناك تسلطا وطغيانا واستبدادا واغتصابا واستعمارا واستغلالا… الا ان القليل من البحث الاركيولوجي والايكولوجي، يمكن ان يبين ان في اصل كل ذلك، سوء فهم وتفاهم وتفهّم ايضا. سوء فهم من جهة مغتصب الحق للمطالب به، وسوء تفهم بالمقابل من جهة طالب الحق بمغتصبه. فالفهم، بما هو الخاصية الرئيسية للكائن البشري، هو سابق على المشاكل، التي تنتج عن سوء الفهم عادة.
فمن يفهم الآخر، يستطع ان يتفهمه، ومن يستطع ان يتفهم الآخر، يمكنه أن يتفاهم معه.
وقد تأسس سوء الفهم هذا، من خلال ثلاثة ابعاد رئيسية. البعد الاول ناجم عن سوء فهم ايكولوجيا الطبيعة وآلية اشتغالها، والثاني ناجم عن سوء فهم التاريخ والانسان لذاته، والثالث يتعلق بسوء فهم الحقيقة والحق.
لقد فهمت الطبيعة على انها مجموعة من الصراعات والتناقضات، في حال ان كل صراع او تناقض فيها، هو ظاهري، وكل شيء يكمل الآخر، وكل شيء بحاجة الى الآخر (المتناقض او المخالف) لكي يعيش. فنحن لم نفهم ما كانت تلقننا به امنا الارض من دروس، بأن ننظر الى الاشياء بشكل دائري، كما هي حركتها. ولكنّا اكتشفنا ان كل ما يظهر من تناقضات، هو في الحقيقة، مكملات. وهكذا يظهر الليل والنهار، الحياة والموت، الكلام والصمت، والحركة والسكون، الربيع والخريف، الصيف والشتاء، البداية والنهاية… حالات مرتبطة ومترابطة ومتضمنة بعضها ببعضها الآخر بشكل دائري، يوحي بالاتصال اكثر ما يوحي بالانفصال، يوحي بالتقارب اكثر ما يوحي بالتضارب. فالولادة تتضمن الموت،كما يتضمن الموت بالولادة الجديدة. فساعة الولادة هي بداية مرحلة الموت، ولحظة الموت هي لحظة البداية والولادة لحياة جديدة. فأعمارنا تبدأ بالتناقص والاقتراب من لحظة الموت يوم نولد، وعلى البذرة ان تموت في التربة لكي تنبت الشجرة. وكم يبدو مضحكا لعلم الايكولوجيا، اذا اردنا ان نبحث عن الاصل، هل البذرة هي الاصل ام الشجرة؟ ففي الطبيعة لا معنى للبحث عن الأصل، في العلاقات الدائرية المترابطة.
فمن أين اخترع الفكر البشري “مسألة الهوية”، وهم البحث عن الأصل التي تحولت الى “اصولية” مميتة؟
فإذا اردنا ان نفهم او ان نعرف ما هي الثمرة، وان نصنفها ونميزها عن غيرها من الثمار، فعلينا ان نعيدها الى السياق او الى السلسلة التي اتت منها.
فالثمرة المتدلية من الغصن، لا تدرك بذاتها فقط ولا بالنسبة الى تجاورها مع غيرها من الثمار والاغصان والاوراق، كونها تحمل معها قصة الغصن الذي يحملها وسيرة الشجرة الحاملة للغصن، وصولا الى جذورها التي تضرب عميقا في التربة، وقصة اشعة الشمس التي شاركت في تكوينها من خارج، وزخات المطر والندى والبرد والهواء… وعوامل اخرى طارئة من رعد وبرق، وعوامل اخرى، قد لا نعرفها… فكل تلك العوامل شاركت في تحديد ما نسميه هوية الثمرة. فإذا حاولنا ان ندخل اكثر الى كنهها،علينا ان نخرق دفاعاتها، بدءا بقشرتها. فلكل كائن دفاعاته. ولكل كائن سبله للعيش والدفاع عن وجوده . وعلى كل من يحاول ان يخرق الدفاعات، ان يعرف انه هو نفسه ربما، قد ساهم يوما، بشكل او بآخر، في صناعة تلك الدفاعات. فإذا اردنا ان نعرف اكثر، وان نفهم اكثر ماهية وهوية تلك الثمرة، علينا ان نعود الى سيرة كل عامل، والى العلاقات التفاعلية بين عوامل متعددة، يمكن ان تكون غاية في التعقيد، تصعّب علينا مهمتنا، وتفرض علينا على الاقل، التريث في اتخاذ الموقف والحكم.
فتتبع كل تلك العوامل المكونة للهوية، من وجهة نظر ايكولوجية، قد يضرب كل فلسفات الهوية والماهية (المتسرعة) التي عرفها فكرنا ما بعد الميتولوجي، كون ماهية الاشياء قد تكون قد انشئت شيئا فشيئا من خارجها، من اشياء غريبة عنها، لا بل حتى من الاعداء المفترضين!
وربما هذا ما يفسر بعض صراعات الهوية البشرية، وحاجة تلك الهويات الى اعداء دائمين، لتثبيت واثبات الذات. وهذه مفارقة في غاية الغرابة والجنون.
ويصعب تتبع مكونات هوية الاشياء اكثر واكثر، اذا اردنا ان نتتبع تاريخية كل مكوّن من مكوناتها، وكلما اردنا تتبع اثر كل عامل من العوامل. وهنا تأتي اشكالية سوء فهم التاريخ. فكل كائن الآن، هو كائن كان وتحول عبر الزمن. والتحول لا يتوقف كما الزمن. فكيف تتحدد الهوية وتناصب الآخر العداء؟
كيف لا تحسب امكانية تحولها الى ضدها، إلى ما تعتبره عدوها الآن؟
فتتبع اثر الكائن عبر الزمن والتاريخ، عملية في غاية التعقيد ايضا. فإذا كان علينا تتبع الاثر لفهم المعنى، فإن الاثر نفسه، يمكن ان يدل على ما بقي من المعنى، اكثر من ما يدل على اصله. فالاثر، بما هو من بقايا المعاني، والذي يدل على علامات الغياب، لا نعرف كيف اصبح يشكل هو ايضا اصل الاشياء؟! فحقيقة اي شيء، اي مادة، اي كيان، اي نوع، ليست كما هي تظهر وتتمظهر الآن، بل هي تاريخية، مرتبطة بتحولات وتفاعلات بعيدة المدى.
وتتبع الاثر، قد يعني تتبع دلالات متنوعة ومتعددة… ومن هنا تنوع القراءات. فإذا كانت الدلالات متنوعة، فما الذي يجعلنا ان نعتمد خيارا دون غيره في الفهم والحكم؟
فأي كائن، اي نص، اي خطاب، هو مجرد “كوكب من الدلالات”، وكون من الرموز والعلامات والامارات… يحمل اكثر من معنى، ويتحمّل اكثر من تفسير.
فإذا كان النوع البشري يعتبر نفسه انه يتمايز عن باقي الكائنات بكونه كائنا عاقلا وفاهما، فتصبح مشكلته الرئيسية، هي في سوء فهمه للآخر.
فكم نحن بحاجة الآن الى هرمينوتيكا (تأويل ومحاولة فهم) كوكبية أيضا، بحسب تعبير هانز غادامير(١٩٠٠ـ٢٠٠٢)، غايتها ليست توحيد الحقيقة في العالم، بل جعل الفهم والتفهم والتواصل والتفاهم، غاية بحد ذاتها.
اما عن مشكلة سوء فهم الذات والحق والحقيقة، فللحديث صلة.
حبيب معلوف
جريدة السفير
20.01.2009