لا دوام لحب الوطن في أمة مقهورة
DRM Executive Committee member Mona Fayad writes about the link between people’s attachment to their nation and the nature of the political regime.
الديموقراطية نظام فريد في الحكم، وهي في شكلها المعاصر نتاج للعصر الصناعي، أو عصر الحداثة المتميز بالعلمانية والتمدين والليبرالية. لكن نشوء وتطور الديموقراطية استغرق قرونا.
ما يثير الدهشة الآن أنه ما من أحد اليوم إلا ويسلم أنه ديموقراطي. فمختلف أنواع النظم السياسية في العالم تصف نفسها بالديموقراطية. غير أن ممارساتها كثيرا ما تكون متباينة بشكل جوهري بين نظام وآخر.
وفي منطقتنا العربية كثيرا ما نرفع شعار الديموقراطية ولواءها، كمن يتحدى قانون الجاذبية. مع أن أول ما نلاحظه غياب مفهوم المواطن الفرد، كي تحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد. ما يعني غياب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان، الذي يؤدي بدوره إلى تدني الوعي بالمسؤولية عن الممتلكات العامة مثل الحدائق أو الشوارع أو مناهل المياه، ووسائل النقل الحكومية والغابات؛ باختصار كل ما هو عام هو متاح وقابل لأن يتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة. ومن الأمور الملفتة في مجتمعاتنا، شيوع الوسخ في الشوارع، مع أننا نعدّ أنفسنا من أنظف شعوب العالم، ونتباهى أن صلاتنا نفسها تدعونا للنظافة! فالناس هنا لا تحافظ على كل ما هو ملكية عامة، وكأن الفرد ينتقم من السلطة القمعية بتدمير ممتلكات وطنه بالذات. ونحن نعاني من انفصال المواطن عن حكومته والتعامل معها وكأنها عدوة له، وليست ما هو مفترض أن تكونه بحسب قوانين الديموقراطية المرفوعة: أي ممثلة له وناطقة باسمه وحامية لمصالحه.
فلماذا لا يشعر المواطن العربي بانتماء إلى بلده وإلى حكومته التي من المفترض أنه انتخبها في معظم الحالات؟ أين هي الحلقة المفقودة؟
حاول توكفيل في كتابه “الديموقراطية في أميركا” محاولة فهم سيرورة الديموقراطية وكيفية العمل على إنجاحها، ووضع يده على أصل المشكلة في دور المواطن وفي الكيفية التي تم فيها ربطه بالدولة أو تمثيله عبر أدواتها.
السؤال الأساسي الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا: لماذا ينصاع المرء للمجتمع؟ ما الذي يلزمه بذلك؟ في الأمم التي تسودها عقيدة سيادة الشعب لا يقوم بذلك لأنه يحتل مرتبة أدنى من مرتبة من يقودونه، أو لأنه أقل قدرة؛ إنه يقوم بذلك لأن كل فرد في مثل هذه الأمة هو فلذة من فعل السيادة ويسهم بالمقدار نفسه في حكم الولاية. إنه ينصاع للمجتمع لأن الاتحاد مع أشباهه ونظرائه يبدو له مفيدا، ولأنه يدرك أن هذا الاتحاد ما كان ليوجد لولا سلطة ناظمة. وهكذا يصبح الفرد واحدا من الرعية في كل ما يتعلق بواجبات المواطنين فيما بينهم. غير أنه يبقى سيد نفسه في كل ما يتصل بذات نفسه. من هنا المثل السائر أن الفرد هو خير من يقضي بمصلحته الخاصة وأن المجتمع لا يمتلك الحق في تسيير أفعاله إلا إذا استشعر ضررا منها أو إذا قضت الضرورة بأن يكون مصدر عون.
السلطات في أميركا تنبع من البلديات؛ إن أبرز ميزتين مهمتين تجمعهما البلدية هما الاستقلالية والسلطان، فرغم أنها تنعم بحرية الحركة ضمن إطار لا يسعها تجاوزه غير أنها تنعم بحرية حركة ضمن هذا الإطار.
وبما أن البشر بحسب توكفيل يميلون إلى حيث تكمن القوة، لذا لا دوام لحب الوطن في أمة مقهورة. ولا يتشبث المواطن ببلديته كونها مسقط رأسه بقدر ما يتشبث بها لأنه يرى في هذه البلدية جماعة مستقلة وقوية ينتمي إليها وهي جديرة بما يبذله سعيا وراء تدبير شؤونها… والحق أنك إذ تجرد البلدية من قوتها واستقلاليتها انما تحلّ جمعا من الرعايا محل المواطنين فيه.
إن جوهر النجاح في نظام الحكم في أميركا يكمن في البراعة التي تقارب الفن والتي اتبعت في بعثرة السلطة بحيث تستقطب اهتمام العدد الأكبر من الناس بالشأن العام. فبمعزل عن الناخبين المدعوين من حين لآخر للاضطلاع بمقاليد الحكم، ثمة أعداد من الوظائف المتنوعة ومن الموظفين المختلفين الذين يمثلون الجماعة القوية التي ينشطون باسمها.
كما أن النظام الأميركي وفي معرض توزيعه هذا للسلطة يضاعف الواجبات البلدية، ينتج عن ذلك اعتقاد مهم في أن حب الوطن هو عبادة يزداد تشبث الناس بها بمزاولة شعائرها. فالحياة البلدية تتجسد كل يوم في أداء واجب أو مزاولة حق، ما يضفي الحركة والنشاط في المجتمع. والأميركيون يتعلقون ببلدتهم للسبب عينه الذي يجعل سكان الجبال يحبون بلدهم. فالوطن في عيونهم له سمات واضحة ومميزة؛ وله هيئة ومظهر يكادان يكونان ملموسين.
وما يساهم في ذلك التربية السياسية للشعب وهذا يتعلق أيضا بسيادة الشعب في إطار البلدية. فكل فرد أميركي يبدي تعلقا ببلديته لأنها قوية ومستقلة، ويعنى بشؤونها لأنه يسهم بإدارتها. وهي محط طموحه وقبلة مستقبله، كما يشعر بأنه معني بكل كبيرة وصغيرة في الحياة البلدية.

Tajaddod Youth invites all its friends to attend the 2nd annual Gebran Tueni Award ceremony at 
